التداعيات الجيوسياسية تعيد رسم أولويات المديرين الماليين منذ أشهر

| استبيان

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

يتصاعد عدم الاستقرار الجيوسياسي، بالتوازي مع ارتفاع وعي المديرين الماليين بتداعياته على أعمالهم وانعكاساتها المباشرة على أعمالهم. ففي أحدث استطلاع لنبض المديرين الماليين الصادر عن ماكنزي آند كومباني، والذي أُجري بين 20 نوفمبر إلى 4 ديسمبر 2025 بمشاركة 152 قائدًا ماليًا من 22 دولة—من بينهم 109 مديرين ماليين للشركات و31 لقطاعات أو مناطق أعمال—يصنّف المشاركون القضايا الجيوسياسية ضمن أبرز المخاطر التي تهدد نمو شركاتهم، وهو ما يعزز انتقال هذه المخاطر من الهامش إلى صلب القرار المالي. ولا يقتصر هذا التقييم على رصد ارتفاع مستويات القلق، بل يكشف تحولًا أعمق في إدراك المخاطر، مقارنة بنتائج استطلاع مطلع عام 2025، حيث باتت المتغيرات الجيوسياسية تُقرأ بوصفها عوامل مؤثرة بشكل مباشر في مسارات النمو والاستثمار. وتأتي التطورات الأخيرة، ولا سيما في الشرق الأوسط، لتمنح هذه القراءة بعدًا أكثر واقعية، في ظل انعكاساتها السريعة على أسواق الطاقة، وعلى رأسها أسعار النفط، وما يرتبط بها من تأثيرات تمتد إلى تكاليف التشغيل وسلاسل الإمداد وتوقعات الطلب عبر مختلف القطاعات.

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

وعلى الرغم من التحديات التي واجهتها الشركات عند إجراء الاستطلاع في العام الماضي، واستمرار التوقعات ببيئة مضطربة، يُظهر المديرون الماليون قدرًا أكبر من التفاؤل تجاه آفاق النمو مقارنة ببداية عام 2025. إذ يشير نحو تسعة من كل عشرة مشاركين إلى أن معدلات نمو قطاعاتهم ستظل مماثلة أو أفضل خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، فيما يتوقع ما يقرب من ثلثيهم زيادة مستويات الاستثمار، سواء في الإنفاق الرأسمالي أو البحث والتطوير أو التسويق، كما هو موضح في "الشكل 1". ولا يعني هذا التفاؤل تراجعًا في إدراك المخاطر، بقدر ما يعبر عن تحول في كيفية التعامل معها، حيث تميل الشركات إلى التكيّف مع بيئة تتسم بعدم اليقين بدل انتظار انحساره. وعلى المستوى الإقليمي، تتصدر منطقة آسيا والمحيط الهادئ قائمة الأكثر تفاؤلًا، تليها أمريكا الشمالية، بينما تميل توقعات أوروبا إلى قدر من الحياد، بما يترجم إلى تباين في تقييم فرص النمو عبر الأسواق. ومع ذلك، يظل الزخم الاستثماري قائمًا عبر مختلف المناطق، وهو ما يدل على أن الضغوط القائمة لم تُجمّد قرارات التوسع، بل دفعت إلى إعادة صياغتها، بحيث تصبح أكثر ارتباطًا بمرونة التنفيذ وقدرة الشركات على التحرك في بيئة متغيرة.

ورغم نبرة التفاؤل حيال النمو، يظل تركيز المديرين الماليين منصبًا على الأداء والنتائج قصيرة الأجل. إذ يشير المشاركون إلى أن أبرز أولوياتهم خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة تتمثل في التخطيط الاستراتيجي وإدارة محركات القيمة التشغيلية ومؤشرات الأداء الرئيسية. كما هو موضح في "الشكل 2". وفي الواقع كان الفارق واضحاً عن بقية الأولويات، في إشارة إلى انتقال نحو إدارة الأداء باعتباره أداة رئيسية لضبط المسار في بيئة متقلبة. ويكتسب هذا التوجه دلالة أعمق عند مقارنته بنتائج استطلاع عام 2025، حيث كان نصف المشاركين آنذاك يضعون التخطيط طويل الأجل وتخصيص الموارد في صدارة الاهتمام، مقابل 28 في المائة فقط في النتائج الحالية. وهو تحول يؤكد إعادة ترتيب الأولويات، حيث تتقدم الحاجة إلى تأمين النتائج القريبة على حساب الانخراط في قرارات استراتيجية ممتدة، في ظل تراجع وضوح الرؤية على المدى البعيد. كما يتجلى هذا التحول في كيفية توزيع الوقت والجهد، مع تراجع التركيز على ملفات التحول المؤسسي وإدارة التكاليف والإنتاجية، في وقت يتزايد فيه الانخراط في القيادة الاستراتيجية وإدارة الأداء. وبذلك، يتبدل نمط العمل من دفع تغييرات هيكلية طويلة الأجل إلى تكثيف المتابعة التشغيلية، بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة وقابلة للقياس في الأجل القريب، حتى وإن جاء ذلك على حساب تسريع وتيرة التحولات بعيدة المدى.

تنامي القلق الجيوسياسي في صدارة اهتمامات المديرين الماليين

تتزايد حدة القلق من الاضطرابات الجيوسياسية لدى المديرين الماليين بوتيرة تفوق ما كانت عليه خلال الأعوام الثلاثة الماضية، في تحول يبرز انتقال هذه المخاطر من موقع ثانوي إلى صدارة التحديات المؤثرة في قرارات النمو. وفي الحقيقة، تجاوزت التوترات الجيوسياسية كونها عاملًا ضمن مجموعة من الضغوط، حيث أصبحت محددًا رئيسيًا يعيد تشكيل تقدير المخاطر في المرحلة المقبلة. وتُظهر نتائج الاستطلاع أن 37 في المائة من المشاركين يرون في التوترات الجيوسياسية والصراعات العامل الأكثر تهديدًا لنمو شركاتهم خلال الاثني عشر شهرًا القادمة، فيما يشير 32 في المائة إلى التغيرات في سياسات التجارة والعلاقات الاقتصادية بين الدول بوصفها مصدر ضغط مباشر، نظرًا لما تفرضه من حالة عدم الاستقرار على حركة الأسواق وسلاسل الإمداد. ولا تتوقف هذه المخاوف عند البعد الجيوسياسي، إذ يظل التضخم مصدر قلق لدى "31 في المائة" من المشاركين، في حين يرى "29 في المائة" أن ضعف الطلب يمثل تحديًا قائمًا. كما تمتد دائرة المخاطر لتشمل الجانب التكنولوجي، حيث يضع أكثر من ربع المشاركين الاضطرابات الرقمية والتهديدات السيبرانية ضمن أبرز التحديات المحتملة. ويكشف هذا التداخل بين العوامل الجيوسياسية والاقتصادية والتقنية عن مشهد أكثر تعقيدًا، تتشابك فيه مصادر المخاطر بما يجعل إدارتها عملية متعددة الأبعاد تتجاوز التعامل مع كل عامل بمعزل عن الآخر. اطّلع على "الشكل 3".

تكشف نتائج الاستطلاع أن المديرين الماليين ينظرون إلى المخاطر باعتبارها ممتدة على طول سلسلة القيمة، لا تقتصر على جانب دون آخر. فالتحديات تبدأ من الوصول إلى الأسواق وتسعير المنتجات، حيث تلعب الرسوم الجمركية والقيود التنظيمية دورًا مباشرًا في إعادة تشكيل قواعد المنافسة. ويمتد التأثير إلى كلفة التشغيل واستمرارية الإمدادات، مع ما تفرضه الحواجز التجارية واضطرابات الخدمات اللوجستية من ضغوط متزايدة على سلاسل التوريد. وفي موازاة ذلك، تتأثر قرارات الاستثمار بحزمة من الحوافز والقيود التي تعيد توجيه تدفقات رأس المال وفق اعتبارات تتجاوز الجدوى الاقتصادية البحتة. أما على مستوى التكنولوجيا، فتبرز تحديات الملكية الفكرية وأمن المعلومات كعوامل حاسمة في رسم ملامح الاستراتيجية الرقمية. وهو ما يرسم مشهدًا متشابكًا، تتداخل فيه السياسة بالاقتصاد وتفرض فيه المخاطر حضورها على كل حلقة من حلقات النشاط المؤسسي.

في المحصلة، لا تنعكس هذه الضغوط في مجرد تعديلات تكتيكية محدودة على سلوك المديرين الماليين، فهي تقود إلى إعادة ترتيب أولوياتهم التشغيلية بشكل أعمق. فبدل الانشغال بمحاولة استشراف مسارات يصعب التحكم بها، يتجه التركيز نحو ما يمكن ضبطه فعليًا، من خلال تشديد الرقابة على مؤشرات الأداء، وإخضاع الخطط لاختبارات متعددة السيناريوهات لقياس قدرتها على الصمود في بيئات تتسم بالتقلب. كما أن هذا التحول لا يتوقف عند أدوات المتابعة، إذ يصل إلى بنية الشركات نفسها، حيث تتعزز عناصر المرونة باعتبارها ركيزة أساسية للاستمرار، وليست مجرد إضافة اختيارية. ويستمر التحدي في كونه مرتبطًا بقدرة الشركات على تحقيق توازن دقيق بين سرعة التكيّف مع المتغيرات والحفاظ على مسار استراتيجي طويل الأمد يحافظ على تماسكه رغم التقلبات.

الرسوم الجمركية والسياسات الصناعية تعيد تشكيل بوصلة الإدارات المالية

عند سؤال المديرين الماليين عن القضايا الجيوسياسية والاقتصادية الكلية التي سيولونها القدر الأكبر من الاهتمام خلال الاثني عشر شهرًا المقبلة، تصدّرت الرسوم الجمركية والحواجز التجارية الأخرى قائمة الأولويات، حيث أشار أكثر من 60 في المائة من المشاركين إلى أنها ستكون محور المتابعة الرئيسية. ولا يقتصر هذا التركيز على حساسية تجاه تطورات السياسات التجارية، بقدر ما يكشف عن إدراك متزايد لتأثيرها المباشر في تشكيل بيئة الأعمال، سواء من حيث كلفة التشغيل أو القدرة على الوصول إلى الأسواق واستقرار سلاسل الإمداد. اطلع على "الشكل 4".

تختلف أولويات المديرين الماليين من منطقة إلى أخرى، إذ لا تنشغل جميع الأسواق بالقضايا نفسها بالقدر ذاته. ففي أمريكا الشمالية، يشير نحو ثلاثة أرباع المشاركين إلى أن الرسوم الجمركية والعوائق التجارية الأخرى تمثل محور اهتمامهم الرئيسي، نظرًا لتأثيرها المباشر في حركة التجارة وتكلفة الأعمال. وفي المقابل، تتجه الأنظار في أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ نحو السياسات الصناعية المحلية، أي القرارات الحكومية التي تدعم قطاعات معينة داخل الدولة، لما لها من دور في تشكيل بيئة المنافسة وتوجيه الاستثمارات. ومن زاوية أخرى، يبرز اهتمام المديرين الماليين في أمريكا الشمالية وأوروبا بقضايا التكنولوجيا وحقوق الملكية الفكرية والأمن السيبراني، وهي عوامل ترتبط بحماية الابتكار والبيانات. بينما يظل هذا الجانب أقل حضورًا لدى نظرائهم في آسيا والمحيط الهادئ، حيث لا يرى سوى أقل من واحد من كل عشرة منهم أنه يمثل أولوية رئيسية.

وعند النظر من زاوية أخرى، تتضح ملامح اختلاف الأولويات بين المناطق، كما يظهر هذا التباين أيضًا بحسب طبيعة الشركات وحجمها. ففي الشركات الصغيرة، يولي المديرون الماليون اهتمامًا أكبر بقضايا التكنولوجيا وحقوق الملكية الفكرية والأمن السيبراني، إلى جانب السياسات المحلية المرتبطة بالبيئة والعمل والهجرة. ويرتبط هذا التوجه بكون هذه الشركات أكثر عرضة لتأثير التغيرات التنظيمية والمخاطر التقنية، في ظل محدودية مواردها مقارنة بالشركات الأكبر. وعلى مستوى نوع الشركات، تتشكل صورة مختلفة في ترتيب الأولويات. فالشركات المدرجة في الأسواق المالية تمنح اهتمامًا أكبر للرسوم الجمركية والعوائق التجارية، نظرًا لتأثيرها المباشر على الأداء المالي وحركة الأسواق. في حين تميل الشركات الخاصة إلى إعطاء الأولوية لقضايا التكنولوجيا وحماية الملكية الفكرية وتعزيز الأمن السيبراني، باعتبارها عناصر أساسية لضمان استمرارية أعمالها والحفاظ على ميزتها التنافسية في بيئة تتسارع فيها المخاطر الرقمية.

وبالتوازي مع هذه الاختلافات في ترتيب الأولويات، يبرز توجه لافت في نظرة المديرين الماليين إلى مصادر التأثير. إذ يمنحون اهتمامًا أقل للتعاون الدولي والتحالفات متعددة الأطراف، أي الأطر التي تقوم على تنسيق الجهود بين عدة دول. ويكشف ذلك عن قناعة متزايدة بأن الأدوات المباشرة للسياسات الحكومية، مثل القوانين والتنظيمات والرسوم، تُحدث أثرًا أسرع وأكثر وضوحًا في أعمالهم، مقارنة بالاتفاقيات الدولية التي تتطلب وقتًا أطول قبل أن تنعكس نتائجها على أرض الواقع.

استجابات المديرين الماليين لبيئة تتسم بعدم الاستقرار

عند النظر إلى كيفية تفاعل الشركات مع التحديات المرتبطة بعدم الاستقرار، يظهر توجه مشترك يتجاوز اختلاف المناطق وأحجام الشركات. إذ يشير نحو ثلثي المديرين الماليين المشاركين إلى أنهم يتعاملون مع حالة عدم الاستقرار الجيوسياسي من خلال تعزيز مستويات السيولة والاحتياطيات النقدية، أي الاحتفاظ بمبالغ نقدية أكبر أو أصول يسهل تحويلها إلى نقد عند الحاجة. ويهدف هذا التوجه إلى توفير هامش أمان يساعد الشركات على مواجهة أي اضطرابات مفاجئة أو تقلبات في الأسواق. اطّلع على "الشكل 5".

وعند الانتقال إلى ثاني أكثر الأساليب استخدامًا في إدارة المخاطر، تتضح فروقات ملحوظة بين المناطق. ففي أوروبا، يميل المديرون الماليون بشكل أكبر إلى التوسع أو تنويع أنشطتهم عبر دخول أسواق جديدة، في محاولة لتقليل الاعتماد على سوق واحد وتعزيز فرص النمو. أما في أمريكا الشمالية، فتظهر توجهات مشابهة نحو التوسع، مع اهتمام موازٍ بإعادة تنظيم شبكات الإمداد، أي تحسين طريقة تدفق المواد والمنتجات بين الموردين والأسواق لضمان الكفاءة والاستقرار. وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، يتجه التركيز بصورة أكبر نحو تعزيز إدارة المخاطر والتخطيط للسيناريوهات المحتملة، أي الاستعداد لمجموعة من الاحتمالات المختلفة بدل الاعتماد على مسار واحد. وعلى صعيد آخر، تقل الإشارة إلى الخطوات الهيكلية العميقة، مثل إعادة هيكلة شبكات الإمداد العالمية، أو إعادة توزيع الاستثمارات في المناطق الأكثر عرضة للمخاطر، أو بناء قدرات داخلية متخصصة لتقييم المخاطر الجيوسياسية وإدارتها، حيث لا تظهر هذه الخيارات ضمن الأولويات الرئيسية لدى غالبية المشاركين في مختلف المناطق.

ما الذي تحتاجه الشركات لتعزيز قدرتها على التعامل مع حالة عدم الاستقرار

ليس مستغربًا أن ينظر غالبية المديرين الماليين إلى ضبابية المشهد وصعوبة التنبؤ بمساره بوصفهما التحدي الأبرز في إدارة المخاطر الجيوسياسية. فالتطورات المتسارعة، إلى جانب القرارات التي تُبنى على معطيات سريعة التغير، ترفع من تعقيد عملية التخطيط وتحدّ من درجة اليقين المرتبطة بها. ويبرز نقص المعلومات الدقيقة وفي الوقت المناسب كقيد إضافي، لا سيما لدى المشاركين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، حيث يدل عدد منهم على صعوبة الحصول على بيانات موثوقة تتيح تقدير التأثير الفعلي للتطورات الجيوسياسية على أعمالهم، بما يقيّد قدرة الشركات على اتخاذ قرارات مدروسة. في المقابل، لا يرى سوى 8 في المائة من المشاركين أن التحدي يتمثل في تحقيق التوازن بين المعالجة قصيرة الأجل وبناء الاستراتيجية طويلة المدى، وهو ما وهو ما يعزز أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في المفاضلة بين الأفقين، بل في إدارة واقع متغير يفرض إعادة تقييم مستمرة للخيارات المتاحة.

ومع تزايد الحاجة إلى أدوات أكثر دقة للتعامل مع المخاطر، يتضح أن المديرين الماليين يبحثون عن وسائل تعزز قدرتهم على اتخاذ القرار بثقة أعلى. فعند سؤالهم عن الموارد أو الإمكانات التي قد تساعدهم في مواجهة حالة عدم اليقين الجيوسياسي، جاءت الإجابة الأبرز في طلب توجيهات تنظيمية أكثر وضوحًا إلى جانب دعم حكومي مباشر، وهو ما أشار إليه نحو 24 في المائة من المشاركين. ويأتي بعد ذلك الاعتماد على معلومات لحظية وأنظمة متابعة مستمرة للمخاطر، أي أدوات تتيح قراءة التطورات بشكل فوري والتفاعل معها بسرعة، وذلك بنسبة 22 في المائة. كما تكشف بقية الإجابات عن توجه نحو تعزيز أدوات اتخاذ القرار، من خلال استخدام نماذج تساعد على اختبار سيناريوهات متعددة قبل حدوثها، إضافة إلى الاستعانة بخبرات متخصصة تقدم رؤى تحليلية دقيقة في بيئة تتسم بتسارع التغير وتعقيد المشهد. كما هو موضح في "الشكل 6".

وعند التدقيق في النتائج بحسب طبيعة الشركات، تظهر فروقات دقيقة تعكس اختلاف الاحتياجات بين كل فئة. إذ يشير المديرون الماليون في الشركات الكبيرة إلى حاجتهم إلى مزيج متكامل يجمع بين وضوح التوجيهات التنظيمية، والدعم الحكومي، إلى جانب توفر أدوات لمتابعة المخاطر بشكل لحظي، بما يساعدهم على التعامل مع التعقيدات المتزايدة بكفاءة أعلى. أما على مستوى الشركات متوسطة الحجم، فتتصدر التوجيهات التنظيمية قائمة الأولويات، باعتبارها العامل الأكثر تأثيرًا في قدرتها على اتخاذ قرارات مستقرة وواضحة. وفيما يخص الشركات الصغيرة، فتبرز لديها حاجة إضافية تتمثل في الاستعانة بخبرات استشارية متخصصة، أي الاعتماد على خبراء يقدمون توجيهًا مباشرًا يساعدها على فهم المخاطر والتعامل معها. ويظهر هذا التوجه بدرجة أقل لدى الشركات المتوسطة والكبيرة، التي تعتمد بدرجة أكبر على قدراتها الداخلية.

فهم المخاطر والفرص و استيعاب كيفية التعامل معها

ويتقاطع تركيز المشاركين في الاستطلاع على المخاطر الجيوسياسية مع رؤية ماكنزي التي تؤكد أهمية المتابعة الدقيقة للمخاطر والتخطيط للسيناريوهات المحتملة، باعتبارهما من الأدوات الأساسية لفهم التأثيرات المتوقعة والتعامل مع حالة عدم اليقين. فالتخطيط للسيناريوهات، وهو أسلوب يقوم على تصور مسارات مختلفة لما قد يحدث مستقبلًا، يجب أن يتضمن ما يُعرف باختبارات الضغط الجيوسياسي، أي تقييم قدرة الشركة على الصمود أمام أزمات محتملة. كما يشمل ذلك ترجمة هذه السيناريوهات إلى تأثيرات اقتصادية ملموسة، مثل النمو الاقتصادي ومعدلات الفائدة والتضخم، بحيث تصبح هذه المؤشرات مرجعًا يساعد الشركات على اتخاذ قرارات مدروسة. ومن هنا، يستطيع المديرون الماليون ربط هذه التوقعات بأنظمة مؤشرات الأداء الرئيسية، وهي المقاييس التي تُستخدم لمتابعة أداء الشركة، للتحقق من تحقيق أهداف النمو والربحية. كذلك يمكنهم محاكاة سيناريوهات الأزمات بشكل مبكر، والاستعداد لها عبر وضع خطط استجابة واضحة تُمكّنهم من التعامل مع أي تطورات مفاجئة بثقة أكبر.

وفي امتداد لهذا التوجه الذي يركّز على الحد من المخاطر، تتشكل رؤية أوسع تنظر إلى حالة عدم اليقين باعتبارها مساحة يمكن أن تنشأ فيها فرص ذات قيمة محسوبة. فالتقلبات لا تعني التهديد فقط، إذ تحمل في طياتها إمكانات يمكن استثمارها عند قراءتها بشكل دقيق. وانطلاقًا من ذلك، يمكن استخدام سيناريوهات التخطيط لتسريع الدخول إلى أسواق جديدة تبرز فيها فرص نتيجة التغيرات، أو لإعادة توجيه العمليات نحو مناطق جغرافية ناشئة توفر مزايا أفضل. كما يمكن تكييف استراتيجيات النمو بحيث تستوعب هذه الفرص المرتبطة بالتقلبات، وتحوّلها إلى مسارات قابلة للتنفيذ. ويشمل ذلك النظر في تأثير التحولات الجيوسياسية على سلوك المنافسين، وفرص الاندماج والاستحواذ، وقرارات الاستثمار، وظهور ممرات تجارية جديدة، إلى جانب الحوافز المتاحة، وفرص تحسين هيكل التكاليف داخل الشركة، إضافة إلى تعزيز كفاءة توزيع رأس المال. وفي ضوء ذلك، يبرز دور المديرين الماليين كعنصر محوري في رصد هذه الفرص وتوجيهها، مستفيدين من قدرتهم على الربط بين التحليل المالي والرؤية الاستراتيجية، وتحويل التقلبات إلى فرص نمو مدروسة.

ومع أهمية التعامل مع التقلبات الحالية، من الضروري أن ينتبه المديرون الماليون إلى مخاطر التركيز المفرط على التغيرات قصيرة الأجل، على حساب الرؤية الاستراتيجية طويلة المدى. إذ قد يؤدي الانشغال بالتقلبات اليومية إلى إضعاف القدرة على التخطيط لمسار مستدام للأعمال. ومن هذا المنطلق، يصبح من المهم دمج العوامل الجيوسياسية الأوسع ضمن سيناريوهات طويلة الأجل، بهدف فهم تأثيرها المستمر في نماذج الأعمال، أي الطريقة التي تحقق بها الشركات إيراداتها وتدير عملياتها. ويساعد هذا النهج على بناء صورة أكثر شمولًا حول ما يمكن أن تواجهه الشركة في المستقبل. وفي هذا الإطار، تلعب أدوات التحليل دورًا مهمًا في توليد رؤى دقيقة، من خلال تحويل البيانات إلى مؤشرات واضحة تساعد في اتخاذ قرارات مبنية على فهم أعمق للتغيرات المحيطة.


وتُظهر نتائج الاستطلاع الأخير أن المديرين الماليين يتعاملون مع المخاطر الجيوسياسية وحالة عدم اليقين من خلال مجموعة من الإجراءات العملية، تشمل تعزيز مستويات السيولة، وتقييم مدى تعرض شركاتهم للمخاطر، إلى جانب تعديل الأسواق التي يعملون فيها وشبكات الإمداد عند الحاجة. وتُعد هذه الخطوات في المدى القصير وسائل مباشرة وفعّالة لإدارة المخاطر، حيث تسهم في الحفاظ على استقرار الشركات وتمنحها القدرة على التكيف بسرعة مع أي تغيرات مفاجئة في البيئة المحيطة.

وتتجه الخطوة التالية نحو الانتقال من نهج يركّز على الحماية إلى نهج يسعى إلى المبادرة وصناعة الفرص. فرغم أن القيادات المالية لا تملك القدرة على التحكم في العوامل الخارجية، فإنها تمتلك موقعًا يتيح لها إدماج المخاطر الجيوسياسية ضمن الاستراتيجية العامة وخطط الاستثمار طويلة الأجل. ومن خلال قراءة نتائج الاستطلاع، يتضح أن شريحة واسعة من المديرين الماليين ترى أن توفر المعلومات اللحظية لا يزال محدودًا، وهي البيانات التي تعكس التطورات فور حدوثها وتساعد على اتخاذ قرارات سريعة. وفي المقابل، تحظى الشركات التي تستثمر في تطوير قدراتها على جمع هذه المعلومات وتحليلها بمرونة أعلى في التعامل مع التغيرات، سواء في أنماط التجارة أو السياسات والحوافز أو حتى في موازين المنافسة، ما يتيح لها التقاط الفرص الجديدة في الوقت المناسب.

وفي نهاية هذا المسار، تتأكد فكرة أساسية مفادها أن المستقبل لا يمكن التنبؤ به بدقة، مهما بلغت خبرة المديرين الماليين. ومع ذلك، يبقى الاستعداد المدروس هو ما يصنع الفارق الحقيقي. فالشركات التي تستثمر في بناء قدرات متقدمة للحصول على معلومات آنية، وتحافظ على توازنها في الحاضر، وتستعد لعدة سيناريوهات محتملة، مع ربط خطواتها اليومية برؤية طويلة المدى، تضع نفسها في موقع أكثر جاهزية للتعامل مع أي تحولات قادمة واستثمار ما تحمله من فرص.

Explore a career with us