ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
وانطلاقًا من هذا الدور المتنامي للقيادة، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة تشغيلية غير مسبوقة، أعادت تشكيل إيقاع العمل وحدوده. فهذه التقنيات لم تعد تكتفي بدعم المهام البسيطة، بل باتت قادرة على الكتابة والتصميم والبرمجة، وإنجاز طيف واسع من الأعمال بسرعة لافتة تكاد تسبق التفكير البشري نفسه. وفي السياق المؤسسي اليومي، ينعكس ذلك مباشرة على عمل القيادات التنفيذية، إذ يتيح الذكاء الاصطناعي إعداد المراسلات وصياغة جداول الأعمال، والمساعدة في التحضير السريع للاجتماعات المفصلية والنقاشات المعقّدة، بما يخفف الأعباء التشغيلية ويمنح القادة مساحة أوسع للتركيز على جوهر القرار وتداعياته الاستراتيجية.
كما يمكنه إنجاز كل ذلك عبر عدد محدود من الأوامر الصوتية، ولكن في واقع الأمر ما زال الذكاء الاصطناعي غير قادر على القيام بجوهر العمل القيادي نفسه. فهناك أبعاد لا تختزلها التقنية ولا تعالجها الخوارزميات، لأنها ترتبط بالحكم البشري، والقدرة على تقدير المواقف، واستيعاب تعقيد الواقع وتبعات القرار. وفي هذا الإطار، يظل تحديد الطموحات، واتخاذ القرارات الصعبة في اللحظات الفاصلة، وبناء الثقة مع مختلف أصحاب المصلحة، وترسيخ ثقافة المساءلة داخل فرق العمل، فضلًا عن توليد أفكار جديدة بحق، مسؤوليات لا يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي الاضطلاع بها، بل تبقى في صميم دور القائد القادر على المواءمة بين الإمكانات التقنية والمتطلبات الإنسانية والاستراتيجية.
ويظل هذا العمل، في جوهره، فعلًا إنسانيًا خالصًا لا يمكن فصله عن التجربة البشرية، وتزداد أهميته اليوم أكثر من أي وقت مضى، في ظل اتساع نطاق التحولات وتسارعها، وما يصاحبها من درجات عالية من عدم اليقين الذي تواجهه المؤسسات في عالم متقلب ومتغير باستمرار.
ومن هذا المنطلق، فإن القادة القادرين على الازدهار في عصر الذكاء الاصطناعي هم أولئك الذين ينجحون في الجمع بين عمق الفهم الإنساني والقدرة على التعامل الواعي مع الأدوات الرقمية. فهم لا يوظفون الذكاء الاصطناعي ليحلّ محل تفكيرهم، بل ليستعينوا به شريكًا داعمًا يعزّز جودة التفكير واتساع أفقه. وعلى هذا الأساس، لا يُنظر إلى اللحظة الراهنة بوصفها تهديدًا لمكانة القيادة أو دورها، بل باعتبارها فرصة لإعادة توجيه الجهد القيادي نحو الجوانب التي يتفرّد بها الإنسان، وهي الجوانب التي لا تزال بعيدة عن متناول الآلة، مهما بلغت درجة تطورها.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
التحول الجوهري في القيادة من منطق الأوامر إلى توجيه القرار بوعي أشمل
تشير أبحاث حديثة صادرة عن "معهد ماكنزي العالمي" حول شراكات المهارات في عصر الذكاء الاصطناعي إلى أن بيئات العمل تتجه بصورة متزايدة نحو نمط تتجاور فيه جهود البشر والوكلاء الرقميين والروبوتات، بما يسهّل سير العمليات ويعيد تشكيل طرق إنجاز العمل. وفي ظل هذا الواقع الجديد، لن يكون الرؤساء التنفيذيون وسائر القيادات العليا بالضرورة أصحاب المعرفة الأوسع أو الإجابات الأسرع داخل مؤسساتهم، وهو ما يجعل الأساليب القيادية التقليدية القائمة على الأمر والسيطرة أقل فاعلية، بل أقرب إلى التعطيل منها إلى التمكين. ومن هنا، تتبدّل الأولويات القيادية على نحو واضح، إذ يصبح الدور الأهم لهؤلاء القادة هو تهيئة الإطار الذي يمكّن فرقهم من التعامل بثقة ونجاح مع التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، سواء تعلّق الأمر بتغيّر العمليات، أو إعادة توزيع الأدوار، أو مواجهة الاضطرابات الداخلية والخارجية التي تفرضها بيئة الأعمال المتقلبة.
وفي امتداد هذا التحول، سيُطلب من القادة أن يوفّروا لفرقهم أطرًا واضحة للعمل، تقوم على قيم راسخة وصلاحيات محددة لاتخاذ القرار، إلى جانب إعادة تعريف معايير الجودة بما ينسجم مع واقع متغير لا يستقر على حال. وفي الوقت ذاته، تبرز الحاجة إلى ترسيخ الثقة وتعزيز التعاون داخل الفرق، مع ظهور تحديات جديدة وتبدّل ظروف الأعمال بوتيرة متسارعة. وفي هذا المشهد، تتأكد حقيقة محورية مفادها أن هناك مجالات بعينها لا يمكن أن ينهض بها سوى الإنسان، إذ تظل القيادة والتوجيه فيها فعلًا بشريًا خالصًا لا غنى عنه في مؤسسات اليوم، ويمكن حصرها على وجه الخصوص في ثلاثة محاور رئيسية.
1. حين يتحول الطموح من رؤية قيادية إلى مسؤولية جماعية
يظل الطموح فعلًا إنسانيًا خالصًا لا يمكن للآلة أن تقوم به، إذ لا يستطيع أي نظام آلي وضع هدف طموح لمنظمة بأكملها، سواء كان موجّهًا نحو رفع الأداء، أو دفع الابتكار، أو تحقيق النمو. فالقائد وحده يمتلك القدرة على استشعار المزاج العام داخل المؤسسة، واستباق ردود الفعل العاطفية المصاحبة للتغيير، وقراءتها قراءة واعية تساعده على فهم أفضل السبل لتحفيز الأفراد وحشدهم حول التوجهات الاستراتيجية. كما أن القيادة المتسمة بالتعاطف هي وحدها القادرة على تمييز ميول الأفراد وتقدير قدراتهم، ومن ثم مواءمتهم مع المشروعات والمسؤوليات التي تناسبهم، بما يحقق الانسجام ويعزز فرص النجاح. وفي هذا الإطار نفسه، يمكن للقادة الاستعانة بالأدوات الذكية في صياغة رسائلهم أو تنظيم أفكارهم، غير أن تحديد الطموح ذاته يظل مهمة لا تقبل التفويض، لأنه يرتبط مباشرة بالرؤية الإنسانية وبالقدرة على استشراف مستقبل المؤسسة وتوجيهها.
2. مواءمة القرار مع القيم المؤسسية
القدرة على اتخاذ قرار سليم هي قدرة إنسانية بحتة لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلّ محلها. فالأنظمة الذكية تستطيع تلخيص القواعد أو إبراز المخاطر المحتملة، لكنها تظل أدوات مساعدة لا تتحمل مسؤولية القرار ولا نتائجه. ولهذا السبب، لا يمكن منحها سلطة الحكم النهائي أو تحميلها تبعات ما تنتجه من توصيات. وعلى العكس من ذلك، يتحمّل القادة في الواقع العملي مسؤولية مباشرة أمام الموظفين، ومجالس الإدارات، والمستثمرين، وشركاء الأعمال، وغيرهم من الأطراف المعنية، وهو ما يفرض عليهم اتخاذ قرارات صعبة، خصوصًا عندما تتعارض القيم المؤسسية أو يكون الوقت محدودًا. وتؤكد أبحاث الصحة التنظيمية الصادرة عن معهد ماكنزي العالمي أن حسم القادة في قراراتهم، وتحملهم للمساءلة، وإظهارهم لحكم واضح ومتزن، يعزز الثقة والالتزام داخل فرق العمل، ويُعد عاملًا رئيسيًا في قدرة الشركات على تحقيق قيمة طويلة الأمد.1
3. التفكير في قفزات نوعية لا في مكاسب محدودة وعادية
في عالم تتسارع فيه التحولات العالمية والمجتمعية والتقنية على نحو متداخل ومفتوح الاحتمالات، تصبح القدرة على توليد أفكار جديدة ومبتكرة مهارة قيادية أساسية لا غنى عنها. وفي هذا الإطار، يُطلب من القادة أن يراجعوا باستمرار الأطر التي تعمل ضمنها مؤسساتهم، وأن يعيدوا صياغة رواياتها التنظيمية، وأن يبتكروا هياكل وشروطًا جديدة تمكّنها من التكيّف وصناعة فرص غير مسبوقة، وهو نهج يختلف جذريًا عن الاكتفاء بإدارة المخاطر أو العمل بدافع تفادي الخسارة. ويزداد هذا الفارق وضوحًا عند النظر إلى طبيعة النماذج الذكية التي يعتمد عليها القادة اليوم، إذ تعمل هذه النماذج بوصفها أدوات استنتاجية تُحسن توقّع الامتداد الأكثر احتمالًا للأنماط التي سبق أن تعلّمتها، من دون قدرة ذاتية على تجاوزها. وهنا، تبرز قيمة الدور الإنساني للقائد، باعتباره الوحيد القادر على تمييز اللحظة التي يمكن أن تقود فيها مخرجات الذكاء الاصطناعي إلى اختراق حقيقي يخدم المؤسسة بدل الاكتفاء بتكرار المألوف. وانطلاقًا من ذلك، يقع على عاتق القادة القيام بعمل تأطيري واعٍ يبدأ بوضع تصور طموح وجريء، يحدّد الإطار العام للعمل ويضع ضوابطه، ويفتح المجال للاختلاف وتبادل وجهات النظر، ثم يستمر في حماية الفكرة الإبداعية في مراحلها الأولى، حتى حين تبدو النتائج الأولية غير مكتملة أو مربكة، إدراكًا منهم أن الابتكار الحقيقي لا يولد في صورة مصقولة منذ اللحظة الأولى.
تحديد أصحاب الإمكانات العالية والكفاءات الواعدة وتطويرهم
ويتضح مما سبق أن الطموح، والحكم المتزن، والقدرة على الإبداع تشكّل سمات قيادية إنسانية لا يمكن تعويضها، وهي في الوقت ذاته عناصر تمنح المؤسسات ميزة تنافسية يصعب نسخها، خاصة عندما تتكامل مع إمكانات الذكاء الاصطناعي وتُستخدم بطريقة واعية. ويترتب على ذلك أن تتحمل المؤسسات مسؤولية واضحة في رصد الأفراد الذين يُظهرون هذه السمات، والعمل على تطويرها بشكل منظّم، ولا سيما ما يتعلق بالقدرة على الصمود، والاستعداد للتعلّم من الأخطاء، والعمل ضمن فرق تضم البشر والأدوات الذكية معًا. وفي الإطار نفسه، تشير أبحاث أجرتها ماكنزي حول دور الرئيس التنفيذي بوصفه قائدًا عالي الأداء إلى أن هذه الخصائص ترتبط ارتباطًا مباشرًا بتحقيق أداء مستدام، كما أنها تُعد مؤشرًا أكثر دقة على النجاح طويل الأمد مقارنة بالاعتماد على المؤهلات الرسمية وحدها، الأمر الذي يعيد التأكيد على أن جوهر القيادة الفاعلة يظل إنسانيًا قبل أي اعتبار آخر.
وأثناء عمل القيادات العليا على تحديد الموظفين ذوي الإمكانات العالية، قد يتطلب الأمر كسر ما يمكن تسميته بالسقف الورقي داخل المؤسسات، وهو الحاجز الذي يمنع بعض الأفراد من التوظيف أو التقدم المهني بسبب غياب الشهادات الرسمية، لا بسبب نقص الكفاءة أو القدرة. هذا النوع من القيود لا يعكس القيمة الحقيقية للأفراد، بقدر ما يفرض عليهم معايير شكلية لم تعد مناسبة لطبيعة العمل المتغيرة. ولهذا، يصبح من الضروري توسيع زاوية النظر عند تقييم المرشحين، عبر تجاوز الاعتماد الحصري على الدرجات الأكاديمية والشهادات المهنية، والتركيز على المهارات العملية، والخبرة الواقعية المرتبطة بالعمل، والسمات الشخصية التي ترافق الفرد عبر الأدوار المختلفة والتقنيات المتجددة، وهي السمات التي تمكّنه من التعلم المستمر والتكيّف والمساهمة الفاعلة في بيئات عمل لا تتوقف عن التحول.
وبعد إعادة النظر في معايير الاختيار وكسر القيود الشكلية التي حدّت طويلًا من اكتشاف الكفاءات، بدأت الشركات الأكثر تميزًا في تحويل هذا التوجه إلى ممارسات عملية داخل أنظمتها. فلم يعد التركيز منصبًّا على المسمّيات الوظيفية أو المؤهلات المكتوبة، بل على المهارات التي يتطلبها الدور فعلًا، وما يملكه المرشح من قدرات يمكن توظيفها مباشرة في بيئة العمل. ويترجم هذا التحول من خلال اعتماد أسلوب تقييم مختلف في جوهره، أقرب إلى الاختبار التطبيقي منه إلى المقابلة التقليدية، حيث يُوضع المرشح أمام مواقف حية تتسم بنقص المعلومات، وتُطرح عليه أسئلة منظمة تختبر قدرته على اتخاذ قرارات منسجمة مع القيم، إلى جانب إسناد أدوار موسّعة قصيرة الأجل تكشف سرعة التعلّم ومسار التطور المحتمل. وبهذا الأسلوب، يصبح التقييم وسيلة لاكتشاف الإمكانات الفعلية ومسار النمو، لا مجرد أداة للحكم السريع أو الاختيار الشكلي.
إعداد الجيل القادم من القادة
وبما أن دور القائد نفسه يشهد تحولًا واضحًا، فإن طريقة المؤسسات في إعداد قياداتها المستقبلية لا بد أن تتغير بالقدر ذاته. فالمطلوب لم يعد الاكتفاء بتأهيل قادة يمتلكون فهمًا تقنيًا متقدمًا، بقدر ما أصبح إتقان التعامل مع الإنسان وفهم دوافعه وسلوكياته عنصرًا لا يقل أهمية. ذلك لأن العالم الذي باتت فيه النماذج الذكية قادرة على الصياغة والتحليل والتنفيذ، يظل في حاجة إلى قيادة لا تستطيع هذه النماذج القيام بها، قيادة تفهم البشر، وتدير التفاعل بينهم، وتوجّه طاقتهم نحو غايات مشتركة، وهو ما يجعل البعد الإنساني ركيزة أساسية في بناء القيادات، لا مهارة ثانوية تكمّل الجانب التقني.
واستكمالًا لهذا التحول في فهم القيادة ومتطلباتها، تشير أبحاث سابقة أعدّتها شركة ماكنزي حول فن القيادة في القرن الحادي والعشرين، وأهمية إنشاء منظومة مؤسسية قوية لإعداد القادة وتوسيع نطاقها، إلى أن عصر الذكاء الاصطناعي يفرض على القادة أربع أولويات أساسية لا غنى عنها. وتشكّل هذه الأولويات إطارًا عمليًا يساعد المؤسسات على مواءمة تطوير قياداتها مع التحولات المتسارعة في بيئة العمل، ويحدّد ملامح الدور القيادي القادر على الاستمرار وتحقيق أثر طويل الأمد على النحو الآتي:
وتبدأ الخطوة الأولى بوضوح الصورة حول السمات القيادية المطلوبة. إذ ينبغي على المؤسسات أن توضح الصفات التي تحتاجها قيادتها في المرحلة الحالية، والسلوكيات التي ستعتمدها معيارًا للتقدير والمكافأة. وفي القطاعات التي تشهد تقلبات اقتصادية متكررة أو منافسة شديدة، يصبح من الضروري التركيز على أشخاص قادرين على العمل بثبات تحت الضغط، واتخاذ قرارات متوازنة في الظروف الصعبة، والحفاظ على دافع إيجابي يدعم فرق العمل ويدفعها إلى البحث عن حلول عملية بدل التوقف عند حجم التحديات.
ولتثبيت هذا التوجه عمليًا، تحتاج المؤسسات إلى إحداث نقلة حقيقية في ثقافة التعلّم لديها، الفكرة هنا ليست التعلم النظري المطوّل، بل التعلّم عبر خطوات صغيرة، تُجرَّب سريعًا، ثم يُبنى عليها فهم أعمق مع الوقت. ويتحقق ذلك عندما تصبح مراجعة ما قبل التنفيذ وما بعده، والاستماع إلى الملاحظات الصريحة، جزءًا طبيعيًا من العمل اليومي، لا إجراءً استثنائيًا يُستخدم عند وقوع الخطأ فقط. ففي القطاعات المتقدمة مثل البرمجيات والقطاع الطبي، يُحتفى بالنجاحات، وفي الوقت نفسه تُراجع الإخفاقات بدقة، وتُحوَّل الدروس المستخلصة إلى ممارسات واضحة تُطبَّق لاحقًا. ويجسّد هذا الأسلوب ما كان يقوم به براد سميث، الرئيس التنفيذي السابق لشركة إنتويت، إذ اعتاد الاجتماع مباشرة مع موظفين في الصفوف التنفيذية القريبة من العمل الفعلي، ليسألهم عمّا يتحسّن، وما يتراجع، وما يتردد الآخرون في قوله رغم أهميته. وبهذا الأسلوب، كان يحصل على صورة واقعية غير مفلترة عمّا يحدث داخل المؤسسة، ويختصر المسافة بين القيادة وميدان العمل، ويحوّل التعلّم إلى معرفة عملية مرتبطة بالواقع لا بالتقارير.2
ويمكن للقيادات العليا أن تترجم هذا الالتزام بثقافة التعلّم إلى سلوك عملي ملموس، عبر التواصل المباشر مع الموظفين ذوي الإمكانات العالية، سواء من خلال اللقاءات المفتوحة أو الاجتماعات العامة داخل المؤسسة. ففي مثل هذه المساحات، لا يقتصر دور القادة على عرض التوجيهات، بل يمتد إلى طرح الأسئلة بصراحة، ومشاركة التحديات الإدارية الكبرى، والاستفادة من أفكار الموظفين في البحث عن حلول واقعية. وبهذا الأسلوب، يتحول التعلّم إلى جهد جماعي، وتُكسر الحواجز بين القيادة وفرق العمل، بما يعزز الثقة ويغذي التفكير المشترك داخل المؤسسة.
تحتاج المؤسسات أيضاً إلى ترسيخ نمط قيادي يضع الناس في المقدمة. فالقائد الفاعل لا يقيس نجاحه بما يحققه لنفسه فقط، بل بقدرته على تمكين من يعملون معه، ودعمهم، ومساعدتهم على النجاح. ولهذا، ينبغي تنمية صفات مثل الحكمة، وفهم الناس، وبناء الثقة، ومنح هذه الجوانب الاهتمام نفسه الذي يُمنح لتطوير الأنظمة التقنية أو نماذج العمل. ويعني ذلك أن تُتاح للقادة مساحة حقيقية للتفكير في طريقة قيادتهم، ومراجعة أثر قراراتهم على فرقهم، وتبادل الرؤى مع قيادات أخرى، والتساؤل بوضوح عمّا يعنيه النجاح لهم ولمؤسساتهم على المدى الطويل، وكيف يمكن بناء منظمات قادرة على الاستمرار لا على تحقيق نتائج سريعة فقط. ويعبّر عن هذا المعنى ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، حين أشار إلى درس تعلّمه من والده مفاده أن نجاح القائد الحقيقي يظهر عندما ينجح من يأتي بعده. فحين يكون القائد التالي أكثر قدرة وتأثيرًا، يكون القائد السابق قد أدى دوره على الوجه الصحيح. ومن هذا الفهم، يصبح من المهم أن تحتفي المؤسسات بالقادة الذين يقدّمون مصلحة المؤسسة ورسالتها العامة على مصالحهم الشخصية، لأن قيمة القيادة لا تُقاس بالنتائج وحدها، بل بالأثر الذي يبقى بعد انتقال القائد، وبقوة المنظمة وقدرتها على الاستمرار.
ويكتمل هذا النهج حين يحرص القادة على إدارة وقتهم وطاقتهم بوصفهما شرطًا أساسيًا للأداء المستدام. فالقادة الأكثر فاعلية يدركون أن مسيرتهم القيادية لا تقوم كلها على الوتيرة نفسها، وأن بعض اللحظات تكون أكثر حساسية وتأثيرًا من غيرها، ولذلك يعملون على تهيئة أنفسهم ليكونوا في أفضل حالاتهم الذهنية والعملية عند تلك المنعطفات الحاسمة. ولهذا، يتعاملون مع جداولهم بصرامة واضحة، فيحمون وقتهم من الاستنزاف، ويركزون على المهام التي لا يمكن لغيرهم القيام بها، ويخصصون مساحة منتظمة للتوقف واستعادة الطاقة. ويظهر هذا السلوك عمليًا لدى بعض الرؤساء التنفيذيين في قطاع التقنية، إذ يحرص أحدهم مثلًا على إبقاء جزء معتبر من جدول أعماله فارغًا، ليس بدافع الفراغ، بل ليمنح نفسه القدرة على التفكير بهدوء، والتعامل مع المستجدات بتركيز واتزان حين تفرض نفسها.3
وفي المحصلة، تظل القيادة فعلًا إنسانيًا خالصًا في جوهره، لا يمكن اختزاله في أدوات أو أنظمة، مهما بلغت قدرتها أو تطورها.
وقد يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة عملنا، لكنه لا يستطيع أن يحدد الغاية من هذا العمل ولا الهدف الذي نسعى إلى تحقيقه. فصياغة المعنى، وتحديد الاتجاه، وربط الجهد اليومي برؤية أوسع، تبقى مسؤولية القائد الإنساني وحده، لأنها تنبع من الوعي والقيم والقدرة على إعطاء العمل مقصدًا يتجاوز التنفيذ.
وفي الختام، يتضح أن الميزة التنافسية الحقيقية للمؤسسات في عصر الذكاء الاصطناعي لا تتحدد بما تمتلكه من خوارزميات فقط، بل بالقادة الذين يتم اعدادهم. فالتقنية قد تمنح السرعة والكفاءة، لكن القادة هم من يحددون الاتجاه، ويتحملون المسؤولية، ويقودون التغيير بثبات، وهو ما يصنع الفارق الحقيقي ويضمن استمرارية النجاح.