الذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح التأمين: فهم تداعياته على المستثمرين

| مقالة

ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com

يمثل قطاع التأمين مجالًا واعدًا لتوظيف الذكاء الاصطناعي في خلق قيمة حقيقية، ومن المتوقع أن يتوسع استخدام هذه التقنيات في مختلف أنشطة الصناعة خلال الأشهر والسنوات المقبلة. كما تبدو آفاق التطور واسعة، مع ما يعانيه القطاع من ضعف في كفاءة سير العمل، ويعتمد بكثافة على جمع البيانات وتحليلها. وهذا ما يهيئ بيئة مناسبة لتطبيق التقنيات الحديثة بفاعلية.

ما التداعيات المحتملة على مستثمري القطاع الخاص؟ يتناول هذا المقال عددًا من القطاعات الفرعية في صناعة التأمين التي تجذب استثمارات خاصة كبيرة. من بينها شركات التوزيع، والوكلاء المفوضون بإدارة الاكتتاب، ومزودو البرمجيات، ومديرو الخدمات بالإنابة. ونقيّم المجالات التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يترك فيها أثرًا ملموسًا. وفي الختام، نستعرض أربع أولويات أساسية على الرعاة والمستثمرين مراعاتها إذا أرادوا تحويل الذكاء الاصطناعي إلى ميزة حقيقية داخل محافظهم الاستثمارية.

تحولات استثمارية تعيد تشكيل قطاع التأمين

المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية

شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية

تصفح المجموعة

رغم تراجع إجمالي الصفقات في عام 2025، ظل قطاع التأمين جاذبًا للاستثمارات بفضل أدائه المستقر عبر الدورات الاقتصادية. وظهرت فروق في أحجام الصفقات بين قطاعاته الفرعية، كما هو موضح في "الشكل 1"، وكان التباين أوضح في قطاع الوسطاء، الذي يستحوذ على نحو 70% من عدد الصفقات. فقد تراجع النشاط فيه بنحو 20% على أساس سنوي، مع زيادة انتقائية المستثمرين في سوق أكثر نضجًا. وفي المقابل، حافظ الوكلاء المفوضون "وكلاء الذكاء الاصطناعي" بإدارة الاكتتاب على مكانتهم كخيار مفضل ومستقر، مع استحواذهم على قرابة 5% من تدفق الصفقات. ويعود ذلك إلى نماذج أعمال خفيفة رأس المال ومرتفعة الهوامش، مدعومة بخبرات اكتتاب متخصصة وشبكات توزيع قوية. كما واصل مديرو الخدمات بالإنابة جذب اهتمام المستثمرين، وحققوا نموًا سنويًا متوسطه 15% خلال خمس سنوات. ويستند هذا الأداء إلى علاقات طويلة الأمد مع العملاء، وإيرادات متكررة، وقدرة تشغيلية قابلة للتوسع. وتبقى شركات برمجيات التأمين جذابة. يشمل ذلك الشركات التي توفر منصات أساسية لشركات التأمين والموزعين، إلى جانب مزودي حلول البيانات والتحليلات. وتستمد هذه الشركات جاذبيتها من إيرادات متكررة بنموذج البرمجيات كخدمة، ومن دورها في دعم التحول الرقمي وتعزيز الدقة والكفاءة عبر سلسلة القيمة التأمينية.

من الناحية الجغرافية، استحوذت الولايات المتحدة على الحصة الأكبر من الصفقات الخاصة، كما هو موضح في "الشكل 2". ويعكس ذلك حجم سوق التأمين فيها، إضافة إلى نضج استثمارات الملكية الخاصة في الأصول التأمينية. بينما تباطأت الاستثمارات في أوروبا، إذ تراجع رأس المال المستثمر بمعدل سنوي متوسط يقارب 18% بين عام 2020 والنصف الأول من عام 2025.

الذكاء الاصطناعي كمحرّك لتعظيم قيمة المحافظ الاستثمارية

يمتلك قطاع التأمين كمًّا هائلًا من البيانات، سواء كانت منظمة أو غير منظمة. ومع ذلك، لا تزال كثير من العمليات عبر سلسلة القيمة تُدار يدويًا. وفي الوقت نفسه، يواجه القطاع مخاطر أكثر تعقيدًا. تشمل هذه المخاطر الهجمات السيبرانية، والكوارث المرتبطة بالمناخ، وغيرها. كما تبرز مخاطر ناتجة عن استخدام الذكاء الاصطناعي نفسه. كما تخلق هذه العوامل بيئة مناسبة لاعتماد التقنيات الحديثة. ونرى أن القطاع يتقدم تدريجيًا عبر ما يمكن تسميته "سلم الذكاء الاصطناعي":

  1. الذكاء الاصطناعي التقليدي، القائم على التحليلات التنبؤية للبيانات، أصبح راسخًا في مجالات كشف الاحتيال وتسعير الوثائق ونمذجة المخاطر.
  2. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فقد بدأ يعيد تشكيل المهام التي تعتمد بكثافة على المستندات، مثل إصدار وثائق التأمين واستقبال الطلبات وبعض مراحل معالجة المطالبات وتسويتها.
  3. وفي الأفق تبرز مرحلة أكثر تقدمًا تتمثل في وكلاء الذكاء الاصطناعي، حيث تقوم هذه التقنيات بإدارة العمليات بصورة ذاتية وشاملة، بدءًا من الشراء ووصولًا إلى تقييم المخاطر بشكل انتقائي.

ومن المرجح أن يغيّر الذكاء الاصطناعي بعض حلقات سلسلة القيمة في التأمين. لكنه لن يلغي النماذج القائمة، بل سيعيد تشكيلها. ولذلك، لا يحتاج المستثمرون إلى البحث عن أصول تقلب الصناعة رأسًا على عقب. فالأهم هو فهم تفاوت وتيرة التقدم، ورصد الفرص التي يخلقها الذكاء الاصطناعي بين القطاعات الفرعية. كما ينبغي تحديد الأصول التي تتقدم فعليًا على "سلم الذكاء الاصطناعي". كما يجب معرفة أين تستطيع التقنية تحسين الأداء وتعزيز القدرة التنافسية بشكل واضح، ويساعد هذا الفهم على تقدير حجم الاستثمار المطلوب، سواء لاقتناص الفرص أو لحماية المزايا التنافسية. ويمكن تحقيق ذلك عبر تطوير القدرات داخليًا، أو الاستحواذ على حلول جاهزة، أو بناء شراكات مع جهات متخصصة في الذكاء الاصطناعي.

من المتوقع أن تتسع فرص خلق القيمة داخل المحافظ الاستثمارية بشكل واضح. كما تُظهر التجارب أن الجهات الراعية وفرق الإدارة التي تركز على تحسين الأداء التشغيلي تحقق نتائج أفضل باستمرار. إذ تسجل معدلات عائد داخلي أعلى بنحو نقطتين إلى ثلاث نقاط مئوية مقارنة بغيرها، وفي المرحلة المقبلة، سيصبح توظيف الذكاء الاصطناعي، ولا سيما التوليدي، عاملًا حاسمًا في تحقيق عوائد تفوق السوق لدى الجيل الجديد من شركات التأمين ضمن المحافظ الاستثمارية. وتقدّر ماكنزي أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على إضافة ما بين 50 إلى 70 مليار دولار إلى إيرادات قطاع التأمين. ويُتوقع أن يتركز الأثر الأكبر في التسويق والمبيعات وخدمة العملاء وهندسة البرمجيات.

من المتوقع أن يغيّر الذكاء الاصطناعي بعض حلقات سلسلة القيمة في التأمين. لكنه سيعيد تشكيل النماذج القائمة بدلًا من إقصائها، والغاية هي تحديد الأصول التي تتقدم فعليًا على "سلم الذكاء الاصطناعي"، ومعرفة أين تستطيع التقنية تحقيق أكبر أثر في تحسين الأداء.

قطاعات فرعية يعيد الذكاء الاصطناعي رسم معايير أدائها

لا تزال كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي تتطلب إشرافًا بشريًا. ومع ذلك، بدأ تأثيره يظهر بوضوح في معايير الأداء لدى الوسطاء، والوكلاء الذكيين بإدارة الاكتتاب، ومزودي البرمجيات، ومديري الخدمات بالإنابة. وفيما يلي نستعرض كل قطاع على حدة، ونبيّن كيف يؤثر الذكاء الاصطناعي في توجهات المستثمرين وشهيتهم للاستثمار.

الوسطاء "التجزئة والجملة"

مع نضج السوق، لم يعد خلق القيمة يعتمد فقط على تجميع شركات الوساطة عبر صفقات الدمج، وهو الأسلوب الذي ساد في السنوات الماضية، واتجه التركيز إلى التكامل الرأسي، وتوظيف التقنية في إسناد المخاطر، والاستفادة من البيانات لتقديم إرشاد أعمق للعملاء في إدارة مخاطرهم. وفي هذا السياق، يمثل الذكاء الاصطناعي رافعة أساسية للمرحلة الجديدة. فهو لن يحل محل الوسطاء أو المنتجين مباشرة، بل يعزز قدرتهم على تقديم استشارات أدق بشأن المخاطر، مع تحسين هوامش الربحية.

وقد بدأت تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي المبكرة في رفع الكفاءة وتحسين معدلات التحويل، كما يظهر ذلك في إدخال طلبات التأمين آليًا، ومواءمتها مع شهية شركات التأمين للمخاطر. كما تُستخدم مساعدين رقميين لدعم عمليات التجديد والبيع المتقاطع. ومع الوقت، قد يتطور الذكاء الاصطناعي الوكيل ليتولى إدارة عمليات التجديد كاملة في حالات المخاطر البسيطة. إذ يمكنه ربط العملاء بمقدمي التغطية بشكل ديناميكي، مع تدخل بشري محدود. ومع ذلك، يظل الوسيط مسؤولًا عن العملية ومشرفًا عليها.

وفي الواقع، لا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على تحسين الكفاءة التشغيلية، بل يمتد إلى توليد العملاء المحتملين رقميًا واستهداف الفرص، خاصة في قطاع الشركات الصغيرة والمتوسطة والتأمينات الشخصية، وتُظهر مراجعات الحالات العملية أن هذه الأساليب عززت تعميق العلاقة مع العميل وزادت فرص البيع المتقاطع. كما خفّضت معدلات فقدان العملاء بأكثر من 50%. كما تحقق ذلك عبر تواصل منهجي مع العميل، وتقديم الرسالة المناسبة في التوقيت الملائم ضمن رحلته التأمينية.

ومن جهة أخرى، لا يزال العملاء يرون في الوسيط مصدرًا للمشورة المتخصصة الموثوقة، وبوابة للوصول إلى الأسواق التأمينية. ولا تهدف التقنية إلى إلغاء هذا الدور، بل إلى دعمه. فهي تفتح فرصًا جديدة لتوليد المبيعات، وتزوّد الوسيط بأدوات تعزز كفاءته وتوسّع قدرته على خدمة العميل.

ويشهد نموذج عمل المنتجين تغيرًا واضحًا. ومع تصاعد الضغوط على اتفاقيات عدم المنافسة في عدد من الولايات الأمريكية، أصبحت شركات الوساطة مطالبة بتقديم قيمة أقوى لموظفيها إذا أرادت جذب أفضل المنتجين والحفاظ عليهم. وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في تخفيف الأعباء الإدارية اليومية. فهو يسهّل التفاعل مع منصات شركات التأمين عند طلب عروض الأسعار، ويتيح تعبئة الطلبات مسبقًا، ويُسرّع معالجة التعديلات على الوثائق، كما تمنح هذه التحسينات المنتجين وقتًا أطول للتواصل مع العملاء بدل الانشغال بالإجراءات. وعلى المدى الأبعد، ستتسع فجوة التميز بين الوسطاء الذين يوظفون الذكاء الاصطناعي بمهارة، ومن يتأخرون في تبنيه. فالكفاءة الإضافية تساعد المنتجين على بناء محافظ أكبر، والاستفادة من بيانات أوسع، ما يعزز قدرتهم التفاوضية ومكانتهم في السوق. كما أن توفير أدوات متقدمة كهذه يتحول إلى عنصر جذب مهني للكوادر الجديدة التي تبحث عن بيئة عمل تدعم التطور والنمو.

الوكلاء الذكيين بإدارة الاكتتاب

يُعد وكلاء الذكاء الاصطناعي المفوضين بإدارة الاكتتاب من أسرع القطاعات الفرعية نموًا في صناعة التأمين. فعلى مدى العقد الماضي، ارتفعت أقساط التأمين في الولايات المتحدة عبر هذه القنوات بمعدل سنوي يقارب 14%. كما تضاعفت الأقساط المباشرة تقريبًا بين عامي 2020 إلى 2024، من 47 مليار دولار إلى 97 مليار دولار. هذا النمو يعكس شهية واضحة من قبل صناديق الملكية الخاصة تجاه منصات الاكتتاب ذات الهوامش المرتفعة والمتطلبات الرأسمالية المحدودة. ووفقًا لبيانات "بيتشبوك"، ارتفع عدد صفقات الاستثمار وقيمة رؤوس الأموال الموجهة إلى هذا القطاع بنحو 20% سنويًا منذ عام 2020.

أصبحت منصات الوكلاء الذكيين المفوضين بإدارة الاكتتاب مركزًا رئيسيًا للابتكار في صناعة التأمين. وأدى ذلك إلى حاجة أكبر لاستخدام متقدم للبيانات والتقنيات الحديثة، ومع تطور السوق، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة لخلق قيمة في الاكتتاب والتوزيع معًا. ففي الاكتتاب، يسرّع استقبال الطلبات وتوجيهها، ويتيح تقسيم المخاطر وتقييمها بدقة عالية. كما يساعد في إعداد مستندات ورسائل مخصّصة لكل حالة، ما يسهل التواصل ويعزز متابعة مراحل الإصدار والتسليم. كما ظهرت أيضًا نماذج أولية لما يُعرف بخلايا الاكتتاب المدعومة بالذكاء الاصطناعي الوكيل، تتولى هذه النماذج تسعير الوثائق البسيطة وإصدارها مع تدخل بشري محدود. وأظهرت بعض التطبيقات نتائج واضحة. فقد مكّنت أدوات هندسة المخاطر المتخصصة من إعداد تقييمات أولية خفّضت مدة تقديم عرض السعر من أكثر من شهر إلى بضعة أيام. علاوة على ذلك، أصبحت نماذج التأمين التجاري والمتخصص في الممتلكات والمسؤوليات، التي تعتمد على توقع احتمال الفوز بالصفقة، تصدر عروض الأسعار خلال ساعة إلى ساعتين بدل يومين أو ثلاثة.

وفي جانب التوزيع، يدعم الذكاء الاصطناعي فرز الطلبات وتحديد أولوياتها، وإدارة علاقات الوسطاء، وتوليد الفرص البيعية واستهدافها بشكل ديناميكي، وبدأت منصات الاكتتاب ذات التوجه التقني في دمج أدوات برمجة منخفضة التعقيد وأنظمة لأتمتة سير العمل. يهدف ذلك إلى تمكين هذه القدرات وزيادة مرونتها التشغيلية. وفي المقابل، قد تتراجع المنصات التي تتأخر في تبني الذكاء الاصطناعي أمام لاعبين رقميين نشأوا في بيئة تقنية منذ البداية، أو أمام منظومات تجمع بين التوزيع والبيانات والاكتتاب ضمن إطار واحد. تتمتع هذه الكيانات بقدرة أعلى على إدارة عمليات الاكتتاب داخليًا بكفاءة أكبر، وعلى نطاق أوسع، وبسرعة أعلى.

إلى جانب تبني الذكاء الاصطناعي بفاعلية، سيصبح امتلاك البيانات وتفعيلها مصدرًا حاسمًا للقيمة. لأن المنصات التي تجمع بياناتها الخاصة وتثريها وتحميها، ستتحول إلى شريك أساسي للوسطاء وشركات التأمين. فهي قادرة على إعادة تغذية المنظومة برؤى أدق حول المخاطر، وأما الجهات التي تجمع بين علاقات سوقية قوية، وملكية فعلية للبيانات، واستخدام متقدم للذكاء الاصطناعي، فستحقق أعلى درجات التميز. وستستخدم هذه الجهات التقنية لدعم الحكم الاكتتابي البشري وتعزيزه، لا لإلغائه أو استبداله.

مزودو البرمجيات

تُعد منصات البرمجيات والبيانات من أسرع مجالات الاستثمار نموًا في قطاع التأمين. فقد سجلت نموًا سنويًا متوسطه نحو 20% خلال السنوات الخمس حتى النصف الأول من عام 2025، كما واصلت الصفقات توسعها، خاصة في أنظمة التوزيع والمنصات الأساسية. ويعكس ذلك ثقة المستثمرين في البنية الرقمية التي تربط شركات التأمين بالوسطاء والوكلاء المفوضين بإدارة الاكتتاب.

ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجربة إلى مرحلة التبني الفعلي، لم يعد تفوق النماذج وحده كافيًا لتمييز مزودي البرمجيات، ويتشكل المشهد الجديد مع إعادة نظر الشركات الكبرى في بنيتها التقنية وأنماط التوريد لديها. وتُظهر الحالات الحديثة أن شركات التأمين بدأت تتخلى عن الأنظمة الأحادية المغلقة، وتتجه إلى بيئات معيارية مفتوحة تسمح بدمج أفضل أدوات الذكاء الاصطناعي معًا. كما أطلقنا على هذا التوجه مفهوم "شبكة الذكاء الاصطناعي الوكيل". في هذا النموذج، تعمل أدوات متخصصة ضمن منظومة مترابطة، بدل الاعتماد على منصة شاملة واحدة.

في هذا النموذج، تعمل الوكلاء البرمجية، سواء طوّرتها الشركات داخليًا أو حصلت عليها من السوق، ضمن إطار تعاوني وآمن وبدرجة عالية من الاستقلالية. ويعتمد النموذج على معايير مفتوحة وبنية خدمات مصغّرة تتيح تكاملًا سلسًا وتقلل الارتهان لمزود واحد. وبالنسبة لشركات التأمين، يتيح ذلك إدماج حلول متخصصة داخل أنظمتها الأساسية من دون إعادة بناء المنصات بالكامل، وأما مزودو البرمجيات، فيخوضون سباقًا للتموضع كمحور ربط داخل المنظومة التأمينية، يجمع بين البيانات والنماذج والوكلاء في بنية متكاملة.

وفي الحقيقة، تعزز تفضيلات المشترين المتغيرة مكانة مزودي الحلول المتقدمة، خاصة من يقدمون قدرات متخصصة في الذكاء الاصطناعي يسهل دمجها في بيئات شركات التأمين والوسطاء، وفي المقابل، تحتاج منصات الأنظمة الأساسية وإدارة الوثائق إلى إعادة تصميم بنيتها لتصبح أكثر انفتاحًا، ويتطلب ذلك إتاحة واجهات برمجة تطبيقات تسمح للأنظمة الأخرى بالوصول إلى الوظائف والبيانات عبر قنوات آمنة. كما ينبغي اعتماد بنية قائمة على الخدمات المصغّرة تتيح دمج تطبيقات وكلاء الذكاء الاصطناعي بكفاءة ومرونة.

تفتح هذه التحولات أمام المستثمرين فرصًا في اتجاهين. ويمكنهم دعم الشركات المتخصصة القابلة للتكامل، والتي تمتلك قدرات قوية في الذكاء الاصطناعي. كما يمكنهم الاستثمار في منصات الأنظمة الأساسية القادرة على أن تكون نقطة ارتكاز داخل بيئة مفتوحة تقوم على شبكة مترابطة من الوكلاء البرمجيين. ومع توجه شركات التأمين إلى بنى معيارية وتعاون بين عدة وكلاء، ستزداد قيمة المنصات التي توفر هذه المرونة. وقد تتحول إلى الدعامة الرئيسية للمرحلة الرقمية التالية في القطاع.

مديرو الخدمات بالإنابة

لا يزال مديرو الخدمات بالإنابة يحظون باهتمام واضح من صناديق الملكية الخاصة. فقد بلغ متوسط النمو السنوي للصفقات في هذا المجال نحو 15% خلال السنوات الخمس الماضية، وفقًا لبيانات "بيتشبوك". وتظل عناصر الجاذبية التقليدية قائمة، مثل الإيرادات المتكررة والنماذج الخفيفة من حيث الأصول. لكن كثيرًا من هذه الجهات بدأ يتوسع خارج الإدارة التقليدية نحو منصات خدمات أكثر تكاملًا. وبفضل امتلاكهم بيانات تفصيلية على مستوى كل معاملة، يستطيع مديرو الخدمات بالإنابة توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين سرعة الإنجاز وتعزيز الاتساق ورفع مستوى الخدمة في العمليات ذات الحجم الكبير.

لا تزال آلية تحويل مكاسب الكفاءة الناتجة عن الذكاء الاصطناعي إلى عائد مالي مباشر غير محسومة لدى مديري الخدمات بالإنابة. وتعتمد كثير من عقودهم على عدد الموظفين، أو حجم الأنشطة المنفذة، أو صيغة "التكلفة مضافًا إليها هامش"، سواء بشكل مباشر أو ضمني. وفي ظل هذه النماذج، قد تضغط الأتمتة على الإيرادات الإجمالية حتى مع تحسن الأداء. كما أن ارتفاع الدقة أو جودة النتائج لا يضمن تعويضًا ماليًا إضافيًا. هنا يكمن التحدي الاستراتيجي. يرفع الذكاء الاصطناعي الكفاءة، لكنه قد يقوّض في الوقت نفسه الأساس الذي تُبنى عليه الإيرادات.

من المرجح أن تتحدد المرحلة المقبلة لهذا القطاع ليس بسؤال ما إذا كان مديرو الخدمات بالإنابة سيتبنون الذكاء الاصطناعي، فذلك بات شبه محسوم، بل بكيفية تطوير نماذج التسعير وتحديد موقعهم التنافسي. ومع تقليص الأتمتة لميزة التعقيد التي اعتمدوا عليها طويلًا، سيصبح الحفاظ على تنافسية التكلفة والاستمرار في الابتكار عاملين حاسمين. ولذلك يُتوقع أن يفضّل المستثمرون المنصات التي تستثمر مبكرًا في بنية البيانات وتدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي. الهدف هو ترسيخ مسار واضح نحو إيرادات مستدامة وتوسيع الهوامش الربحية على المدى الطويل.

أربع أولويات للمستثمرين

يدرك معظم المستثمرين في قطاع التأمين اليوم الأثر التحولي للذكاء الاصطناعي، لكن كثيرين منهم لم يحسموا بعد كيفية التحرك. وبدأ بعضهم بإدماج تقييم القدرات التقنية ضمن الفحص النافي للجهالة. ويسعى آخرون إلى دفع شركات محافظهم للحفاظ على مواقعها السوقية، مع البحث عن مصادر جديدة للقيمة. كما يبقى التحدي في تحديد مجالات الاستثمار وفقًا لكيفية إعادة توزيع القيمة بفعل الذكاء الاصطناعي وسرعة التحرك المطلوبة وأفضل السبل لبناء ميزة تنافسية مستدامة. وبوجه عام، تبرز أربع أولويات أمام المستثمرين الذين يريدون تحويل الذكاء الاصطناعي إلى عنصر تميز حقيقي داخل محافظهم التأمينية.

الذكاء الاصطناعي من التقييم إلى تعظيم العائد: صناعة القيمة عبر دورة الصفقة كاملة

أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرًا في جميع مراحل العملية الاستثمارية، من الفحص النافي للجهالة إلى إدارة شركات المحفظة. وفي مرحلة التقييم، يستطيع المستثمرون تحليل أثر أدوات التحليلات المتقدمة والذكاء الاصطناعي الوكيل على موقع الشركة المستهدفة ونموذج أعمالها. وأما داخل المحفظة، فيمكن استخدام الإطار نفسه لتوجيه خطط خلق القيمة. ويتم ذلك عبر تحديد المجالات التي يعزز فيها الذكاء الاصطناعي الهوامش، ويسرّع النمو، أو يحمي الحصة السوقية.

بناء إطار مؤسسي راسخ لتوجيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي

يمكن للجهات الراعية اعتماد منهجية مؤسسية قابلة للتكرار تغطي مرحلتي التقييم والملكية معًا، كما تشمل هذه المنهجية قوالب معيارية، ومؤشرات أداء موحدة، ومستودعًا مركزيًا لحالات الاستخدام، مثل أتمتة الاكتتاب، وتحسين كفاءة المطالبات، وحوكمة البيانات. وتتطلب المقاربة إطارًا واضحًا لاختيار حلول الذكاء الاصطناعي داخل شركات المحفظة. يجب أن تضمن جاهزية البنية التقنية لاستيعاب التطبيقات المتقدمة، وأن تتوافر مكتبة من الوكلاء البرمجيين تخضع لإشراف وضوابط دقيقة. ويرسخ هذا النهج لغة مشتركة بين فرق الصفقات والعمليات والبيانات عند تقييم فرص الذكاء الاصطناعي وتنفيذها. ومع الوقت، تغذي الدروس المستفادة من التطبيقات داخل المحفظة عمليات التقييم الجديدة، ما يعزز القناعة ويسرّع التنفيذ في الصفقات اللاحقة.

التخطيط بالسيناريوهات: قراءة المستقبل في بيئة دائمة التحول

يحدد دليل العمل المؤسسي كيفية تقييم الذكاء الاصطناعي وتطبيقه. أما التخطيط بالسيناريوهات فيساعد الشركات على حسم سؤال: أين ومتى تستثمر مع تطور التقنية؟ ويمكن توسيع المنهجية المستخدمة في الفحص النافي للجهالة لنمذجة مسارات متعددة لاعتماد الذكاء الاصطناعي لتشمل إدارة المحفظة. إذ يستطيع المستثمرون رسم سيناريوهات لنضج التقنية داخل شركاتهم، تبدأ بأتمتة جزئية وتصل إلى تنفيذ كامل قائم على وكلاء الذكاء الاصطناعي، مع قياس الأثر التشغيلي والمالي لكل مسار. كما يتيح هذا التحليل تحديد أولويات تخصيص الموارد ورصد المنصات القابلة للتكامل وتوقيت الاستثمارات وفق جاهزية البيانات والبنية التقنية والقدرات التنظيمية. وعند تبني هذا النهج، يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة للتقييم الأولي إلى أداة تخطيط استراتيجي تمتد عبر كامل المحفظة الاستثمارية.

استشراف تأثير الذكاء الاصطناعي على نماذج المواهب وإعادة تشكيل دور الإنسان

على فرق الصفقات والعمليات أن تستبق التحولات التي قد يُحدثها الذكاء الاصطناعي في هيكل القوى العاملة بقطاع التأمين، وأن تستعد لها مبكرًا، وتقدّر ماكنزي أن التقنيات المتاحة اليوم تستطيع نظريًا أتمتة أكثر من نصف ساعات العمل الحالية في الولايات المتحدة. كما أن نحو ثلثي ساعات العمل تتركز في مهام غير بدنية، وهي طبيعة قريبة من الأنشطة السائدة عبر سلسلة القيمة التأمينية. وهذا يشير إلى تأثير واسع محتمل، لذلك تحتاج القوى العاملة إلى تطوير مهاراتها بما يواكب هذا التحول، حيث لا يكفي إتقان استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي. والمطلوب هو الانتقال من تنفيذ المهام الأساسية إلى أدوار أوسع تقوم على التأطير والتحليل وتفسير النتائج واتخاذ القرار على أساسها.


يبقى العامل الحاسم في هذا التحول هو توجيه الاستثمارات نحو فرق إدارية تمتلك استعدادًا حقيقيًا للتغيير. فقطاع التأمين لا يمتلك تاريخًا طويلًا في الابتكار واسع النطاق أو في سرعة تبني التقنيات الجديدة، وهو ما يجعل دور القيادة المؤسسية اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى. فنجاح التحول لا يعتمد على الكفاءة التقنية وحدها، بل على نوعية المواهب القادرة على فهم هذا التحول وقيادته داخل المؤسسات. وعندما يجتمع الفهم التقني مع الرؤية التشغيلية والاستعداد الثقافي للتغيير، يتشكل الفارق الحقيقي بين الشركات. وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع، يتجه الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تشكيل طرق خلق القيمة في مختلف مجالات التأمين. ولهذا سيحتاج المستثمرون وفرق الإدارة إلى توظيف هذه التقنيات بفاعلية إذا أرادوا الحفاظ على قدرتهم التنافسية خلال السنوات المقبلة.

Explore a career with us