ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
على مدى سنوات، عانى مديرو العلاقات المصرفية حول العالم من تحدياتٍ تشغيلية مزمنة، تتمثل في أنظمةٍ تفتقر إلى المرونة، وفرصٍ بيعيةٍ محدودة الجودة، إلى جانب تنامي الأعباء الإدارية. وقد انعكس ذلك على مستوى أدائهم، الذي بقي أدنى من مستوى الطموحات التي يتطلعون إليها هم وإداراتهم العليا، إذ يُهدَر جانبًا كبيرًا من وقتهم وجهدهم في مهامٍ لا تولّد قيمةً حقيقية، على حساب التفاعل المباشر مع العملاء، مما يُفضي في نهاية المطاف إلى ضياع فرص النمو التي كان من الممكن تحقيقها.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
إلّا أننا أصبحنا اليوم أقرب من أي وقتٍ مضى إلى تجاوز هذه المعضلة. فمع تزايد الضغوط على هوامش الربحية، وتباطؤ معدلات النمو، وارتفاع نسب التكلفة إلى الدخل، لم يعد يُنظر إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي كأداةٍ لتحسين الكفاءة فحسب، بل كنموذج عملٍ جديد يُعيد تنظيم طريقة إدارة العلاقات المصرفية. وعند تطبيق هذا النهج برؤيةٍ واضحة وتنفيذٍ منسّق وتركيزٍ على الأولويات، يتيح للبنوك التعامل بفاعليةٍ مع التحديات القائمة، ويؤسس لأسلوب عملٍ أكثر مرونةً وقدرةً على التكيّف مع متطلبات المستقبل. وقد أظهرت النتائج الأولية تحقيق أثرٍ عمليٍ ملموس؛ إذ يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي رفع إنتاجية مديري العلاقات وتعزيز نمو الإيرادات خلال فترةٍ قصيرة لا تتجاوز بضعة أشهر، لا سيما عندما تُعيد البنوك تصميم أحد أنشطة فِرق خدمة العملاء بالكامل، مثل استقطاب العملاء. كما أثبتت تجاربنا أن المؤسسات التي سلكت هذا المسار حققت بالفعل زياداتٍ في الإيرادات لكل مدير علاقات تراوحت بين 3 إلى 15 في المائة، فضلًا عن خفض تكاليف الخدمة بنسبة تراوحت بين 20 إلى 40 في المائة.
وفي الوقت ذاته، أصبح مفهوم وكلاء الذكاء الاصطناعي مألوفًا لدى شريحةٍ واسعةٍ من قادة الأعمال، إذ لم يعد يقتصر على الاستجابة لطلبات المستخدم كما هو الحال في الذكاء الاصطناعي التوليدي، بل يعمل بأسلوبٍ أكثر استقلاليةً، وبشراكةٍ مباشرة مع العنصر البشري. إذ تستطيع هذه الأنظمة فهم الأهداف الموكلة إليها، وتحويلها إلى مهامٍ قابلةٍ للتنفيذ، فضلًا عن قدرتها على التفاعل بسلاسةٍ مع الأفراد والأنظمة، واتخاذ القرارات، والتكيّف مع المتغيرات، والتواصل مع العملاء بفاعليةٍ، وكل ذلك بأقل قدرٍ ممكنٍ من التدخل البشري.
أمّا على صعيد مهام فِرق مبيعات العملاء تحديدًا، فقد أتاح الوكلاء الذكيّون، وللمرّة الأولى وعلى نطاقٍ واسع، أتمتة تدفّقات العمل المعقّدة التي لطالما ميّزت قطاع الخدمات المالية، وهو الهدف الذي سعى إليه المصرفيون لسنواتٍ دون أن يتمكّنوا من تحقيقه بشكلٍ كامل. غير أنّ أثر هذا التحوّل لا يقتصر على الأتمتة وحدها؛ إذ بدأ الوكلاء الذكيّون في إعادة تشكيل مبيعات العملاء من الأساس، من خلال عملهم كشريكٍ ذكيٍّ قادرٍ على المتابعة، واتخاذ القرار، والتنفيذ في الوقت الحقيقي. وبدلًا من انتظار الموظفين لتحليل البيانات أو ملاحقة الفرص، تتولّى هذه الأنظمة ترتيب أولويات العملاء المحتملين، وصياغة رسائل تواصلٍ مخصّصة تراعي السياق، بل وإدارة بعض جوانب التفاوض ضمن ضوابط واضحة، مع استمرارية التعلّم من النتائج. ويمنح ذلك مديري العلاقات فرصة الانتقال من إدارة المعاملات اليومية إلى بناء علاقاتٍ استراتيجيةٍ طويلة الأمد، بما يتيح لهم التركيز على المهام الأكثر تأثيرًا، مثل بناء الثقة، والتعامل مع الصفقات المعقّدة، وتطوير علاقاتٍ مستدامة مع العملاء، بينما تواصل الأنظمة الذكية أداء مهامها الدائمة في الخلفية، بدءًا من إجراءات المتابعة والتأهيل، وصولًا إلى عمليات التحسين المستمر.
ولتقييم هذا التحوّل على أرض الواقع، أجرينا مؤخرًا سلسلة مقابلاتٍ مع نحو 400 مصرفيٍّ، ومدير علاقات، وقادة مبيعاتٍ في الولايات المتحدة وكندا، شملت قطاعاتٍ متعددة، من بينها الخدمات المصرفية للأفراد، والشركات الصغيرة، والخدمات التجارية والمؤسسية، والخدمات المصرفية الخاصة، إلى جانب إدارة الثروات والأصول وقطاع المدفوعات. هدفت هذه المقابلات إلى فهم التحديات التي تواجه فِرق خدمة العملاء اليوم، واستكشاف السُبل التي يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي الإسهام من خلالها في معالجتها.1 كما طُلب من المشاركين تقييم الذكاء الاصطناعي بمختلف أشكاله، بما في ذلك النماذج التقليدية، والذكاء الاصطناعي التوليدي، ووكلاء الذكاء الاصطناعي، حيث أقرّ 85 في المائة منهم باستخدام أحد هذه الأشكال بالفعل، مع إبداء تفاؤلٍ واضحٍ حيال توسيع نطاق استخدامه مستقبلًا، بما في ذلك الوكلاء الرقميين. وانطلاقًا من هذه النتائج، تستعرض هذه المقالة أبرز التحديات التي تُعيق فِرق خدمة العملاء، وتناقش الحلول التي يوفّرها الذكاء الاصطناعي للتعامل معها، كما تسلّط الضوء على مجالات الاستخدام التي تسعى هذه الفِرق إلى إتقانها، وتقدّم مجموعةً من الرؤى العملية لمساعدة المؤسسات على بدء رحلتها نحو إعادة تصوّر مبيعات العملاء بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي يُعيد صياغة معادلة الإنتاجية المصرفية
تعمل فِرق المبيعات المصرفية ضمن حلقةٍ مُفرَغة تحدّ من فاعليتها. إذ تتسم عمليات استقطاب العملاء بعدم الكفاءة، فقد أشار أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع "53 في المائة" إلى أن نقص فرص البيع عالية الجودة يُعد العائق الأكبر أمامهم، كمتا ه موضح في "الشكل 1"، حيث يَضيع الكثير من الوقت في متابعة القوائم القديمة أو عملاء سبق أن استحوذ عليهم المنافسون، مما يخلّف شعورًا بالإحباط لدى المصرفيين ذاتهم. وفي بعض الأحيان، تُهدر حتى الفرص الجيدة. وقد عبّر أحد المصرفيين عن ذلك بقوله: "إن التحضير لاجتماعات العملاء يعني إهدار ما يقترب نصف اليوم في مراجعة العروض القديمة لاستخلاص فكرةٍ واحدةٍ مفيدة، وهو ما يُعدّ مضيعةً للوقت". كما تبرز مشكلةٌ أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في الأعباء الإدارية ومتطلبات الامتثال، التي باتت تستهلك وقتًا يفوق ما يُخصّص للتواصل مع العملاء. وقد دفع ذلك كثيرًا من مديري العلاقات إلى وصف أنفسهم بأنهم "موظفو إدخال بيانات"، إذ أصبحوا غارقين في تحديث أنظمة إدارة علاقات العملاء واستكمال المستندات المختلفة، في وقتٍ يفضّلون فيه التركيز على بناء علاقاتٍ حقيقيةٍ مع العملاء. ونتيجةً لذلك، تسجّل العديد من البنوك زيادةً في حالات ترك العمل بين مديري العلاقات، تتراوح بين 15 إلى 35 في المائة.
وعلى مستوى جميع المشاركين في الاستطلاع، تصدّرت ثلاثةُ تحدياتٍ قائمة الصعوبات التي تواجه فِرق خدمة العملاء، وهي: الأعباء الإدارية المفرطة، وضعف جودة فرص البيع، وصعوبة التحضير للاجتماعات.
إلّا أنّ حدّة هذه التحديات لم تكن متساويةً بين الجميع؛ ففي حين واجه المصرفيون صعوباتٍ أقل في المهام الإدارية مقارنةً بغيرهم، كانوا الأكثر تعرّضًا لضغوط تحقيق المستهدفات، وما يصاحبها من مخاطر الإرهاق الوظيفي.
وفي المقابل، تأثّر قادة خدمة العملاء في مؤسسات إدارة الثروات والأصول على نحوٍ خاص بتضخّم الأعباء الإدارية، دون أن يشعروا بذات مستوى الضغط المرتبط بتحقيق المستهدفات وحِصص البيع.
أمّا مديرو العلاقات في قطاع المدفوعات، فقد أفادوا بوجود مشكلاتٍ أقل في التحديات الثلاثة الرئيسية، لكنهم واجهوا صعوباتٍ أكبر في قضايا أخرى، مثل بطء إجراءات الموافقات الداخلية، وكثرة الحسابات التي يتعيّن إدارتها بفاعلية.
وتشير هذه التحديات مجتمعةً إلى أن نموذج توزيع الجهود في القطاع المصرفي لم يعد ملائمًا للواقع الحالي، وبات بحاجةٍ جدّية إلى إعادة تنظيم، وهو ما أصبحت أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي قادرةً على تحقيقه اليوم. إذ يمتلك هذا النوع من الذكاء الاصطناعي القدرة على إعادة صياغة معادلة التوزيع داخل فِرق خدمة العملاء بصورةٍ جذرية، من خلال تمكين الأنظمة الذكية من رصد الأسواق بشكلٍ مستمر، وتقييم العملاء المحتملين، وترتيب الفرص الحقيقية وفق أولوياتٍ دقيقة، بما يقلّص الهدر الناتج عن عمليات الاستقطاب اليدوية التقليدية. كما يتيح أتمتة مهام الامتثال وأعمال التوثيق الروتينية، الأمر الذي يخفّف من الاعتماد على فِرق الدعم الخلفية، ويفتح المجال أمام المصرفيين لتخصيص وقتٍ أكبر للتفاعل المباشر مع العملاء. وقد كشفت دراساتنا أن مديري العلاقات في العديد من البنوك التجارية لا يقضون سوى ما يتراوح بين 25 إلى 30 في المائة من وقتهم في التواصل الفعلي مع العملاء، وهي نسبةٌ تقلّ كثيرًا عمّا تحققه المؤسسات المصنّفة ضمن الشريحة الأعلى أداءً. وفي هذا الإطار، عبّر أكثر من ثلاثة أرباع القادة المشاركين في الاستطلاع عن تفاؤلهم حول مستقبل هذه التقنية لما تتيحه من الإمكانات. اطلع على "الشكل 2".
وعند ترجمة هذه التوقّعات إلى وقتٍ فعليٍّ مُستعاد، تتّضح المكاسب بشكلٍ ملموس؛ إذ يمكن لكلّ مصرفيٍّ استعادة ما يتراوح بين 10 إلى 12 ساعةً أسبوعيًا، يمكن توظيفها للتفاعل مع عددٍ أكبر من العملاء، بما يسهم في رفع معدّلات التغطية بنحو 40 في المائة. بل إن بعض المصرفيين أشاروا إلى توقّعهم تحقيق تحسّنٍ يصل إلى 120 في المائة، ليس بفضل زيادة أعباء العمل، بل نتيجةً لاعتماد أساليب عملٍ أكثر ذكاءً وكفاءة.
غير أنّ الأثر الأعمق لهذا التحوّل يتجاوز حدود الكفاءة التشغيلية. وكما عبّر أحد القيادات العليا قائلًا: "القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في توفير الوقت، بل في تغيير الكيفية التي يستثمر بها المصرفيون هذا الوقت". فمع تولّي الوكلاء الذكيين المهام الروتينية، تتاح أمام المصرفيين فرصة الارتقاء بأدوارهم إلى مستوى أعلى قيمة، بوصفهم مستشارين موثوقين يحقّقون النجاح من خلال الفهم العميق، والتعاطف، وبناء علاقاتٍ إنسانيةٍ راسخة لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحلّ محلها. وهو الدور الذي يتطلّع إليه مديرو العلاقات بالفعل، وإذا ما نجحت البنوك في تمكينهم منه، فقد يمثّل ذلك خطوةً حاسمةً نحو الحدّ من ظاهرة الإرهاق الوظيفي التي باتت تؤرّق شريحةً كبيرةً من العاملين في هذا القطاع.
خمس تطبيقاتٍ عملية لوكلاء الذكاء الاصطناعي تُحدث فارقًا حقيقيًا
أظهرت نتائج الاستطلاع أن هناك خمس مهامٍ رئيسية تعاني فيها فِرق خدمة العملاء من أساليب عملٍ مرهقة وغير مجدية، في وقتٍ يقدّم فيه وكلاء الذكاء الاصطناعي فرصًا حقيقيةً لإحداث تحوّلٍ ملموس. اطلع على "الشكل 3".
استقطاب العملاء المحتملين
التحدّي: لا تزال عملية استقطاب عملاء جدد بطيئةً ومحدودة الكفاءة، إذ يعتمد المصرفيون في الغالب على توصيات العملاء الحاليين، وخبرتهم الشخصية بالسوق المحلي، إلى جانب بياناتٍ غير مكتملة، وهو ما يحدّ من قدرتهم على تحديد العملاء الأنسب في التوقيت المناسب.
التغيير الذي يُحدثه وكلاء الذكاء الاصطناعي: تُتيح خرائط السوق المعتمدة على الوكلاء الذكيين دمج أنواعٍ متعددةٍ من البيانات، بدءًا من سجلات الشركات ووصولًا إلى أنماط المعاملات، بهدف إعداد قوائم مُرتّبة لعملاء محتملين يتمتّعون بأعلى احتمالات النجاح. ويتم تحديث هذه القوائم باستمرار مع تغيّر أوضاع السوق، بما يتيح رصد ما يظهر من فرصٍ جديدة في الوقت المناسب. وبدلًا من الاعتماد على الاتصالات العشوائية التي تستنزف الوقت، يحصل المصرفيون على قوائم منتقاة ومصنّفة بعناية، بما يزيد من احتمالات تحويلها إلى عملاء فعليين "يُرجى مشاهدة الفيديو".
الأثر العملي: أظهرت التجارب أن البنوك التي اعتمدت هذه الحلول سجّلت نموًا بنحو 30 في المائة في حجم فرص البيع المحتملة، إلى جانب زيادةً في الإيرادات تقارب 10 في المائة. وفي إحدى الحالات، حقّق مديرو العلاقات الذين استخدموا قوائم مولّدةً بالذكاء الاصطناعي ضعف معدلات تحويل العملاء المحتملين إلى فعليين مقارنةً بالأساليب التقليدية.
متابعة العملاء المحتملين
التحدّي: برغم إعداد البنوك قوائم واسعة من العملاء المحتملين، فإن المتابعة غالبًا ما تكون محدودة أو متقطّعة. فمديرو العلاقات لا يستطيعون التواصل مع الجميع، وغالبًا ما تتوقف المتابعة بعد محاولاتٍ قليلة مع العملاء غير المتفاعلين، مما يؤدي إلى فقدان عددٍ كبيرٍ من الفرص.
التغيير الذي يُحدثه وكلاء الذكاء الاصطناعي: يتولى الوكيل الذكي متابعة العملاء المحتملين بشكلٍ تلقائي، من خلال الرد على استفساراتهم، وإرسال محتوى مخصّص يناسب اهتماماتهم، وترتيب الاجتماعات فور توافر مؤشرات اهتمامٍ حقيقية. ويعمل هذا الوكيل بوصفه مديرًا افتراضيًا للعلاقات، قادرًا على التواصل مع آلاف العملاء في الوقت نفسه، مع إحالة الحالات الجاهزة فقط إلى المصرفيين.
الأثر العملي: أثبتت التجارب الأولية أن هذا النهج أسهم في مضاعفة عدد العملاء الجادّين، بل وزيادتهم إلى ثلاثة أضعاف في بعض الحالات، إلى جانب تحسّنٍ بنحو 5 في المائة في نسبة تحوّل العملاء المحتملين إلى عملاء فعليين. وهو ما يتيح للمصرفيين التركيز على العملاء الأكثر اهتمامًا. وكما لخّص أحد مستشاري إدارة الثروات الأمر بقوله: "كنت أقضي نصف أسبوعي في متابعة العملاء بلا نتيجة، أمّا اليوم أصبحت أركّز فقط على من لديهم رغبةٌ حقيقيةٌ في اللقاء".
تخطيط الحسابات والتحضير للاجتماعات
التحدّي: يستنزف التحضير لاجتماعات العملاء وقتًا كبيرًا من المصرفيين، لا سيما عند إعداد ما يُعرف بــ "خطط الحسابات"، وهي وثائق عملٍ تُلخّص صورة العميل بشكلٍ كامل، وتوضح وضعه الحالي، واحتياجاته، والفرص المتاحة للتعاون أو التوسّع، وأبرز النقاط التي ينبغي مناقشتها خلال الاجتماع. ويستلزم إعداد هذه الخطط جمع معلوماتٍ متفرّقة من أنظمة إدارة علاقات العملاء، والبريد الإلكتروني، والتقارير المختلفة، وهو ما قد يجعل التحضير لاجتماعٍ واحد مع عميلٍ واحد يستغرق ما يصل إلى نصف يوم عمل، خاصةً عند التعامل مع عملاء معقّدين.
التغيير الذي يُحدثه وكلاء الذكاء الاصطناعي: يتولّى الوكيل الذكي جمع المعلومات ذات الصلة من مصادر متعددة، ثم يقوم بإعداد خطط حساباتٍ متكاملة خلال دقائق، تتضمّن ملخصًا واضحًا عن العميل، وملاحظاتٍ مخصّصة، وأبرز الرؤى، ونقاط الحديث الجاهزة التي تساعد المصرفي على إدارة الاجتماع بكفاءة. كما تستطيع بعض الأدوات الذكية توقّع الأسئلة التي قد يطرحها العميل، ففي إحدى التجارب، تلقّى أحد المصرفيين موجزًا مختصرًا يستعرض توسّعات أحد العملاء، وأهم مورّديه، وإمكانات تقديم خدماتٍ إضافيةٍ له، وكل ذلك جرى توليده بشكلٍ آلي.
الأثر العملي: أسهم هذا الأسلوب في بعض البنوك في تقليص وقت التحضير بنحو 25 في المائة، مما أتاح للمصرفيين تخصيص وقتٍ إضافي يقارب 10 في المائة للتواصل المباشر مع العملاء. وإلى جانب توفير الوقت، أفاد المصرفيون بشعورهم بدرجةٍ أعلى من الجاهزية والثقة، الأمر الذي انعكس في تفاعلٍ أفضل وبناء علاقاتٍ أقوى وأكثر فاعليةً مع العملاء.
هيكلة الصفقات والتسعير
التحدّي: تعاني قرارات التسعير في كثير من البنوك من البطء وعدم الاتّساق، إذ قد تستغرق الموافقات عدة أيام، وغالبًا ما تعتمد على الاجتهادات الشخصية أكثر من استنادها إلى التحليل المنهجي للبيانات. وهو ما يختصره أحد المصرفيين بقوله: "في بعض الأحيان أقدّم خصمًا للعميل لأنني غير متأكد من السعر العادل، فأضطر إلى التخمين".
التغيير الذي يُحدثه وكلاء الذكاء الاصطناعي: يُتيح الوكيل الذكي المخصّص لتحليل الصفقات تقييم أنماط التسعير والخصومات بصورةٍ شاملة، مع مراعاة سلوك مديري العلاقات، وخصائص كل عميل، ومستوى قدرته واستعداده للدفع، ليقدّم توصياتٍ فورية بالتسعير الأنسب لكل حالة. كما يسهّل هذا النهج إجراءات الموافقة من خلال توفير مبرّراتٍ واضحة وشفافة يمكن للمديرين وفرق المخاطر الاعتماد عليها، مما يسرّع عملية اتخاذ القرار ويعزّز الالتزام بسياسات التسعير المعتمدة.
الأثر العملي: أظهرت التجارب المبكرة أن البنوك التي اعتمدت هذه الحلول حققت تحسّنًا يقارب 10 في المائة في هوامش الربحية، إلى جانب زيادةٍ ملحوظة في سرعة إعداد العروض السعرية. وفي إحدى الحالات، انخفض زمن إتمام الصفقة من خمسة أيامٍ إلى يومين فقط، وهو ما يمنح المصرفيين قدرةً أكبر على إتمام عددٍ أكبر من الصفقات، وبدرجةٍ أعلى من السلاسة والكفاءة.
التدريب والتوجيه
التحدّي: لا يحصل المصرفيون على التدريب بشكلٍ منتظم، كما أن استخدام الأدوات الجديدة غالبًا ما يتراجع بعد فترةٍ وجيزةٍ من تطبيقها، إلى جانب وجود تفاوتٍ واضح في أساليب الأداء بين الأفراد. وفي الوقت نفسه، يواجه المديرون صعوبةً في تشخيص فجوات الأداء بدقة، بينما نادرًا ما ينجح التدريب التقليدي في إحداث تحسّنٍ مستدام.
التغيير الذي يُحدثه وكلاء الذكاء الاصطناعي: يعمل المدرّب الذكي على تحليل تفاعلات المصرفيين مع العملاء، ولا سيما المكالمات الهاتفية، لتحديد مجالات التحسين وتقديم إرشاداتٍ مخصّصةٍ تتناسب مع أسلوب كل مصرفي. كما يعزّز الاستخدام الفعلي للأدوات الجديدة ضمن منظومة العمل اليومية، ويقدّم ملاحظاتٍ أكثر دقةً مع مرور الوقت، بما يساعد على تحسين الأداء بشكلٍ مستمر.
الأثر العملي: أظهرت التطبيقات المبكرة ارتفاع مستويات رضا العملاء بنحو سبع نقاطٍ مئوية، إلى جانب تسريع جاهزية المصرفيين الجدد للوصول إلى مستوى الإنتاجية المطلوبة بنسبةٍ تقارب 20 في المائة. كما أشار المديرون إلى أن هذا النهج أتاح لهم التركيز على التوجيه والتطوير ذوي القيمة الحقيقية، بدلًا من الانشغال بالمراجعات الروتينية، وهو ما ساعد أحد بنوك أميركا الشمالية على تحديد أفضل ممارسات المكالمات الهاتفية وتعميمها على مستوى الفروع كافة.
ويعرض "الشكل 4" أبرز النتائج التي أبلغ عنها المصرفيون عقب توظيف الوكلاء الذكيين في هذه المجالات.
تحقيق القيمة الفعلية
بالرغم من تزايد الزخم نحو تبنّي أنظمة وكلاء الذكاء الاصطناعي داخل البنوك بوتيرة متسارعة، كشفت الدراسات أن كثيرًا من البنوك تركّز جهودها في البداية على الأدوات محدودة الأثر، بدلًا من التوجّه مباشرةً إلى الاستخدامات الأعلى قيمة. اطّلع عل "الشكل 5".
إلا أنّ هناك مسارًا أكثر فاعليةً. فتعظيم العائد من وكلاء الذكاء الاصطناعي لا يتحقق عبر إضافة أدواتٍ جديدة فحسب، بل يتطلّب إعادة نظرٍ شاملة في كيفية اقتناص الفرص وتنفيذها. وقد أثبتت التجارب أن نجاح البنوك في تحقيق القيمة الكاملة من هذه التقنيات، يرجع لتبنيها نهجًا منضبطًا وواضح المعالم، يقوم على خمسة مبادئ رئيسية:
- تحديد نموذج العمل والهدف من استخدام هذه التقنية الحديثة بوضوح: تتميّز البنوك الرائدة بوضوح رؤيتها في تحديد الإطار الذي يوضّح كيف ولماذا سيُسهم الوكلاء الرقميون في تحقيق قيمةٍ ملموسة للأعمال. ويشمل ذلك الاختيار الواعي لحالات الاستخدام التي تسعى إلى قيادتها مقابل تلك التي تكتفي فيها بدور المتابع، إلى جانب تحديد الأثر المتوقع بدقة، سواء من حيث تعزيز إنتاجية فِرق خدمة العملاء، أو دعم نمو صافي الأصول، أو تحسين تجربة العملاء، أو توسيع الفجوة الاستراتيجية وتعزيز الموقع التنافسي في السوق.
- إعادة تصميم نموذج التشغيل لأنشطة خدمة العملاء من البداية إلى النهاية: لا تكتفي البنوك ذات التوجّه الاستباقي بدمج وكلاء الذكاء الاصطناعي ضمن العمليات القائمة، بل تُعيد النظر في أسلوب العمل من جذوره، من خلال إعادة بناء تدفّقات العمل بشكلٍ متكامل، واختبار الحلول على أرض الواقع لإثبات جدواها، ثم اعتماد نماذج تشغيلية واضحة قابلة للتكرار والتوسّع عبر مختلف الوحدات التنظيمية. وفي هذا السياق، تعمل هذه البنوك أيضًا على تطوير أنماطٍ جديدةٍ للتعاون بين الموظفين والأنظمة الذكية، بما يضمن تكامل الأدوار وتعظيم الأثر.
- إنشاء قدرات تقنية قابلة لإعادة الاستخدام، بما في ذلك قاعدة بياناتٍ متكاملة: تشترك البنوك الرائدة في ثلاث قدراتٍ تقنيةٍ أساسية تمكّنها من توسيع نطاق استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي بكفاءةٍ واستدامة. تبدأ هذه القدرات بما يُعرف بـشبكة الوكلاء الرقميين "Agentic AI mesh"، وهي شبكةٌ تقنية تعمل كنظام تنسيقٍ ذكي يربط بين عددٍ من الوكلاء، ويتيح لهم التعاون واتخاذ القرار وتنفيذ المهام عبر أنظمةٍ مختلفةٍ داخل البنك، دون الاعتماد على منصةٍ مركزيةٍ واحدة. وتُمكّن هذه الطبقة الوكلاء من العمل باستقلاليةٍ منسّقة عبر مختلف نقاط التفاعل، مثل قنوات التواصل مع العملاء، والملاحظات، والمهام، والبريد الإلكتروني، ونماذج اللغة. أما القدرة الثانية فهي البيانات، حيث تطوّر هذه البنوك ما يُعرف بـالأنطولوجيا، وهي إطارٌ منظّمٌ يربط بين تدفّقات العمل والقرارات والمعرفة المؤسسية، ويحوّلها إلى بنيةٍ موحّدة تمكّن الوكلاء الذكيين من فهم السياق واتخاذ قراراتٍ دقيقة وتنفيذ الأعمال بكفاءة. وتتمثّل القدرة الثالثة في الثقة والأمن، إذ يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي معايير أعلى لحماية البيانات والخصوصية، مما يستوجب إعطاء أولويةٍ قصوى للتشفير الشامل من طرفٍ إلى طرف، وبناء أُطرٍ أمنيةٍ تضمن الاستخدام الآمن والمستدام لهذه التقنيات.
- تطوير أطر حوكمة واضحة لضمان المرونة والاستدامة: مع توسّع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي تحتاج البنوك إلى وضع أطر حوكمةٍ قوية لإدارة المخاطر، وضمان الامتثال، والحفاظ على المرونة التشغيلية. ويشمل ذلك تحديد مستويات استقلالية الوكلاء "مثل وضع حدودٍ واضحة لقرارات زيادة الائتمان، وتحديد مستوى تدخل العنصر البشري في دورة اتخاذ القرار"، إلى جانب اعتماد آليات مراقبةٍ فعّالة، وبناء أنظمة تدقيقٍ تضمن الشفافية والمساءلة.
- تطوير مهارات القوى العاملة: يُعدّ نقص القدرة الإدارية على إعادة تصميم الأدوار وتنفيذ برامج إعادة التأهيل المهني من أبرز التحديات التي تُعيق تحقيق الإمكانات الكاملة لوكلاء الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تطوير المهارات التقنية، واعتماد أساليب عملٍ جديدة تُمكّن مديري العلاقات من التعاون بفاعليةٍ مع الوكلاء الذكيين. ومع تحسّن كفاءة المصرفيين وتحرّر جزءٍ من وقتهم، يصبح بإمكانهم التركيز على تقديم رؤى أكثر تميّزًا، وتنسيق الخبرات داخل البنك لخدمة العملاء على نحوٍ أفضل. وعلى المدى الطويل، تُعيد البنوك الرائدة النظر في سياسات التوظيف، ومسارات التطوّر الوظيفي، والمزايا المهنية المقدّمة للموظفين، وفرص التطوّر، وطبيعة الأدوار، وتجربة العمل التي يقدّمها البنك لموظفيه. وفي هذا السياق، تظهر أدوارٌ جديدة، مثل مهندسي الأعمال ومنسّقي الوكلاء، بينما تشهد الأدوار الأساسية، كمديري العلاقات، ومديري الفروع، ومستشاري العملاء، تحوّلاتٍ جوهرية في طبيعتها. ومع تحرّر طاقات العاملين في هذه الأدوار، يتعزّز التركيز على تقديم رؤى أعمق وأكثر جودةً للعملاء، بجانب تنسيق القدرات المؤسسية ليقدّم البنك أفضل ما لديه.
وتعكس شهادات المشاركين في الاستطلاع تحوّلًا ملموسًا في طريقة عمل فِرق خدمة العملاء مع الانتقال الفعلي للذكاء الاصطناعي إلى بيئة العمل اليومية. حيث أشار أحدهم إلى أن الذكاء الاصطناعي "أعاد توجيه الوقت والجهد نحو ما يصنع القيمة الحقيقية، كبناء العلاقات وإتمام الصفقات".
فيما أضاف مشاركٌ آخر أن هذه التقنيات "حرّرت الفِرق من الأعباء التشغيلية، ومكّنتها من التفرّغ بصورةٍ أعمق للبيع الاستراتيجي وتعزيز التفاعل مع العملاء". وتؤكد هذه الشهادات أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرّد مفهومٍ نظري أو أداةٍ داعمة، بل أصبح عاملًا فاعلًا يُحدث أثرًا ملموسًا في أداء القادة ومؤسساتهم. أمّا البنوك التي لم تحسم موقفها بعد، فإن إرجاء القرار لم يعد خيارًا عمليًا، في وقتٍ تشير فيه المعطيات إلى فرص نموٍّ في الإيرادات قد تصل إلى 30 في المائة، وهي فرصةٌ يصعب تجاهلها في بيئةٍ مصرفيةٍ تتّسم بتصاعد حدّة المنافسة وضيق هوامش الربحية.