ملاحظة: إننا نبذل قصارى جهدنا للحفاظ على جميع التفاصيل الدقيقة عند ترجمة المقالة الإنجليزية الأصلية، ونعتذر عن أي جزئية مفقودة في الترجمة قد تلاحظونها من حين لآخر. نرحب بتعليقاتكم على البريد الإلكتروني التالي reader_input@mckinsey.com
تقف منظومة الخدمات المؤسسية المشتركة اليوم أمام مرحلة تحول مهمة. ويُعرف هذا النموذج عالمياً باسم "Global Business Services"، واختصاره "GBS"، ويقوم على جمع خدمات المؤسسة الداخلية، مثل المالية والموارد البشرية والمشتريات وتقنية المعلومات، ضمن إدارة مركزية تخدم مختلف قطاعاتها وفروعها. وكان دور هذه الإدارة يتركز على تنفيذ الأعمال اليومية المشتركة، مثل معالجة الفواتير والرواتب وطلبات الشراء وإعداد التقارير. أما اليوم، فيتيح لها الذكاء الاصطناعي الوكيل التعامل مع مهام تتطلب فهم المعلومات وتقدير الموقف واقتراح الإجراءات المناسبة، ما يؤهلها لإدارة تطبيقات الذكاء الاصطناعي وربطها بإجراءات العمل في مختلف أقسام المؤسسة. وللاستفادة من هذه الفرصة، يتعين على المؤسسات إعادة صياغة إجراءات العمل، وتطوير مهارات الموظفين، وتحديث طريقة توزيع المهام والمسؤوليات، بما يمكّنها من تحقيق القيمة الكاملة للذكاء الاصطناعي الوكيل.
ولمناقشة هذا التحول وما يعنيه لمستقبل المؤسسات، يستضيف كريستيان جونسون في هذه الحلقة من بودكاست "نقاشات ماكنزي حول شؤون العمليات" شريكي ماكنزي "هايكو هايمز" و "جوش بيترز". وقد جرى اختصار الحوار وتحريره ليكون أكثر وضوحاً وسلاسة.
المزيد من الرؤى والتقارير من ماكنزي باللغة العربية
شاهد مجموعة المقالات الخاصة بنا باللغة العربية، واشترك في النشرة الإخبارية العربية الشهرية
كريستيان جونسون: يقود الذكاء الاصطناعي الوكيل تحولًا جوهريًا في طريقة إنجاز العمل على نطاق واسع، ويدفعنا إلى نقطة مفصلية في كيفية أداء المهام. كيف يمكن وصف التحول الأساسي الذي تشهده منظومة الخدمات المؤسسية المشتركة؟ وما الذي يتغير فعليًا في طبيعة العمل؟
جوش بيترز: لطالما كانت منظومة الخدمات المؤسسية المشتركة من أكثر الوظائف اعتمادًا على الأتمتة، إلا أن الذكاء الاصطناعي الوكيل يطرح اليوم نقلة نوعية في طبيعة ما يمكن إنجازه. فهو قادر على العمل باستقلالية وقراءة المعطيات المحيطة بالمهمة والتكيف مع المتغيرات واتخاذ قرارات في الوقت الفعلي. وتتجاوز هذه القدرات القرارات الفردية التي تحكمها قواعد محددة، إذ تتيح للذكاء الاصطناعي توظيف قدر من التقدير عند التعامل مع مواقف مختلفة، من خلال جمع كم كبير من المعلومات وربط المعطيات ذات الصلة بعضها ببعض، ثم تكوين صورة متكاملة يستند إليها في اتخاذ القرار المناسب.
ولا يتوقف أثر هذا التحول عند الطريقة التي يُنجز بها العمل، إذ تمتد إمكانات الذكاء الاصطناعي إلى مستوى أعمق، ليصبح جزءًا فاعلًا في تنفيذ العمل ويؤدي دورًا أكبر على مستوى المهام الفردية، وقد يوحي هذا التوسع في الأتمتة للوهلة الأولى بأن منظومة الخدمات المؤسسية المشتركة ستشهد انكماشًا وتراجعًا في حجمها، وهو ما نشهده بالفعل في بعض المجالات التي تتجه فيها المؤسسات إلى أتمتة قدر كبير من الأعمال. إلا أن هذا الاتجاه لا ينطبق على خدمات الأعمال العالمية ككل. وعلى الجانب الآخر، يتسع دورها بصورة واضحة، مع زيادة أعداد العاملين واتساع نطاق المسؤوليات وارتفاع الموازنات وحجم الإنفاق. فالذكاء الاصطناعي لا يأتي ليحل محل خدمات الأعمال العالمية؛ فهو يعزز قدراتها ويمكّنها من تولي نطاق أوسع من الأعمال والاضطلاع بدور أكبر داخل المؤسسة.
هايكو هايمس: تتميز إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة الأكثر نجاحاً بتبنيها نهج التحسين المستمر والتميز التشغيلي، وتحويله إلى جزء راسخ من ثقافتها وممارسات موظفيها اليومية. ويأتي الذكاء الاصطناعي الوكيل امتداداً طبيعياً لهذه المسيرة، لأنه يتيح لهذه الإدارات تطوير طريقة تنفيذ المهام، وتسريع الإجراءات، وتحسين القرارات التي تعتمد على تحليل كميات كبيرة من المعلومات. وتعد إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة من أكثر الإدارات داخل المؤسسة استعداداً للاستفادة من هذه القدرات، لأنها تشرف على عمليات متداخلة تخدم أقساماً متعددة، مثل المالية والموارد البشرية والمشتريات وتقنية المعلومات. وهذا الموقع يمنحها رؤية واسعة لإجراءات العمل، ويجعلها بيئة مناسبة لبناء الأسس التقنية والتنظيمية اللازمة لتطبيق الذكاء الاصطناعي وتوسيع استخدامه في مختلف أعمال المؤسسة.
كريستيان جونسون: "هايكو"، ومع هذا التحول، كيف يوسع الذكاء الاصطناعي الوكيل نطاق الأعمال والمسؤوليات التي تستطيع إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة توليها؟
هايكو هايمس: يتيح الذكاء الاصطناعي الوكيل لإدارات الخدمات المؤسسية المشتركة، وكذلك لبقية أقسام المؤسسة، الانتقال من تنفيذ الإجراءات الإدارية والمعاملات اليومية إلى أدوار استشارية واستراتيجية تتطلب التحليل والتقدير المهني. فبدلاً من اقتصار عملها على إدارة عملية الشراء من تقديم الطلب حتى سداد مستحقات المورد، أو تسجيل المعاملات المالية وتجميعها وإعداد التقارير، يمكنها التوسع في مجالات أعلى قيمة، مثل التخطيط للمشتريات الاستراتيجية، وإعداد التوقعات، والتخطيط المالي والتشغيلي. وفي هذه المجالات، يستطيع الذكاء الاصطناعي مساندة الموظفين في تحليل المعلومات واتخاذ القرارات، كما يمكنه تولي أجزاء من العمل مباشرة، ما يمنح إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة دوراً أكبر مما كان متاحاً لها في السابق. ويمتد هذا التحول أيضاً إلى وتيرة تنفيذ الأعمال. ففي الماضي، كانت إجراءات الرقابة الداخلية والتدقيق تُجرى على فترات متباعدة أو تقتصر على فحص عينات محدودة. أما اليوم، فيمكن للذكاء الاصطناعي مراقبة المعاملات فور تنفيذها وبصورة مستمرة، والتحقق من التزامها بالضوابط ودقة إجراءاتها. وبهذه القدرة، تستطيع إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة تولي مزيد من أعمال الرقابة والتحليل والمتابعة، من دون أن تظل مقيدة بأساليب الفحص الدوري أو العينات المحدودة.
جوش بيترز: المثير للاهتمام، "هايكو"، أننا نشهد اتجاهين متعاكسين في الوقت نفسه. فمن ناحية، يتولى الذكاء الاصطناعي تنفيذ عدد متزايد من المهام التي كان ينجزها الموظفون، ما يقلل حجم العمل اليدوي داخل إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة. ومن ناحية أخرى، تتوسع مسؤوليات هذه الإدارات وتتولى أعمالاً جديدة لم تكن تدخل سابقاً ضمن نطاقها. وهنا يبرز السؤال الذي يشغل الجميع: أي الاتجاهين ستكون له الغلبة؟ نعتقد أن حجم إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة قد يتقلص بنسبة تتراوح بين 20 أو30 في المئة، لكنها ستصبح أعلى إنتاجية بكثير من اليوم، إذ ستتمكن من إنجاز نطاق أوسع من الأعمال بموارد أقل.
كريستيان جونسون: وفي سياق حديثنا عن قدرة الذكاء الاصطناعي الوكيل على توسيع نطاق عمل إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة، ذكرت يا "جوش" مثالاً من مجال التخطيط والتحليل المالي، يوضح كيف يمكن لهذه التقنية أن تمنح الإدارة دوراً أوسع في تحليل النتائج ودعم القرارات. هل يمكنك أن تشرح لنا هذا المثال؟
جوش بيترز: يظهر أحد أبرز الأمثلة على ذلك في مجال التخطيط والتحليل المالي. وكان السؤال التقليدي في هذا المجال هو: كيف يمكن تسريع إعداد التقارير وأتمتة خطواته؟ وعلى مدى سنوات، أدت إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة دوراً مهماً في جمع البيانات والتقارير المالية الواردة من مختلف أقسام المؤسسة، وتوحيدها، ثم تطبيق تحليلات متقدمة عليها للوصول إلى صورة أوضح عن الأداء المالي. وقد ساعدت الأتمتة على إنجاز قدر أكبر من هذه الأعمال خلال وقت أقصر، وتسريع الانتقال من جمع البيانات إلى تحليلها وإعداد التقارير اللازمة.
لكن التحول الأهم يكمن في تجاوز الإجابة عن سؤال "ماذا حدث؟" إلى تحديد الإجراء الأنسب بناءً على نتائج التحليل. فما بدأنا نراه لدى عملائنا يتخطى مقارنة المبيعات بالعام السابق أو الشهر السابق، وتفسير أسباب تراجع أحد أنشطة المؤسسة أو انخفاض أرباحه، ليصل إلى السؤال الأهم: كيف يمكن معالجة هذا التراجع؟ وعندما ساعدنا بعض العملاء على تطوير مساعد مدعوم بالذكاء الاصطناعي لفرق التخطيط والتحليل المالي، أصبح النظام يقدم أكثر من تفسير للنتائج. فقد يعزو الانخفاض إلى موسمية الطلب أو الظروف الجوية، ثم يقترح سؤالين أو ثلاثة تساعد على فهم المشكلة بصورة أعمق، ويحدد عدداً مماثلاً من الإجراءات المناسبة للتعامل معها. وبهذا ينتقل الذكاء الاصطناعي من وصف النتائج وتحليل أسبابها إلى توجيه المسؤولين نحو الخطوات العملية التالية.
هايكو هايمس: تمثل أنشطة التخطيط أحد أوضح المجالات التي تستطيع فيها إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة أداء دور أكبر، لأن الذكاء الاصطناعي يساعدها على الانتقال من تحليل ما حدث إلى توقع ما قد يحدث والاستعداد له. وقد تحدث "جوش" عن التخطيط والتحليل المالي، وكيف تتيح هذه التقنية إعداد توقعات مالية وتوجيه المسؤولين نحو الإجراءات المناسبة. ويمكن تطبيق الفكرة ذاتها في الموارد البشرية من خلال التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة، أي تحديد أعداد الموظفين والمهارات التي ستحتاج إليها المؤسسة مستقبلاً، ثم وضع الخطط اللازمة لتوفيرها. وقد واجهت مؤسسات كثيرة صعوبة في إدارة هذا الجانب، لكن الذكاء الاصطناعي يمنح إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة قدرة أكبر على تحليل البيانات، وتوقع الفجوات في الكفاءات، والمساعدة في تحديد الإجراءات اللازمة لمعالجتها. وبهذا تستطيع الإدارة تولي أعمال تخطيطية لم تتمكن أقسام أخرى في المؤسسة من تنفيذها بالمستوى المطلوب سابقاً. وينطبق ذلك أيضاً على تخطيط سلاسل الإمداد، حيث يساعد الذكاء الاصطناعي على توقع الاحتياجات، ودراسة الخيارات المتاحة، وتحديد الإجراءات الواجب اتخاذها مسبقاً. وقد يبدأ دوره بمساندة الموظفين في التحليل، ثم يمتد في بعض الحالات إلى تقديم توصيات مستقلة. ولهذا تعد إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة بيئة مناسبة لتوظيف هذه القدرات، بما تمتلكه من رؤية تمتد عبر عمليات وأقسام متعددة داخل المؤسسة.
وفي ضوء هذا التوسع، تحتاج إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة إلى تطوير مهارات موظفيها وخبراتهم بما يتناسب مع دورها الجديد. ففي السابق، كان عملها يتركز على تنفيذ الإجراءات الإدارية والمعاملات المتكررة، مثل معالجة الفواتير والطلبات وتسجيل البيانات وإعداد التقارير. أما المرحلة المقبلة، فتتطلب قدرات أوسع في تحليل المعلومات، وتقديم التوصيات، والمشاركة في التخطيط وصنع القرارات الاستراتيجية. ويعني ذلك أن التحول لا يتعلق بإضافة مهام جديدة إلى هذه الإدارات فقط، وإنما بتغيير طبيعة العمل والمهارات اللازمة لإنجازه. ويعمل عدد من عملائي حالياً على تحديد الخطوات العملية المطلوبة للانتقال من نموذج يركز على تنفيذ المعاملات إلى نموذج يؤدي دوراً استشارياً واستراتيجياً أوسع داخل المؤسسة.
كريستيان جونسون: يقودنا هذا الحديث إلى المحور التالي، وهو الكفاءات البشرية. فتغير طبيعة الأعمال والمهارات المطلوبة يعني أن هيكل القوى العاملة داخل إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة سيتغير بدوره، سواء من حيث الأدوار أو المستويات الوظيفية أو الخبرات المطلوبة. فما أبرز الجوانب التي يتعين على المؤسسات مراعاتها للاستعداد لهذا التحول؟
هايكو هايمس: عندما نفكر في مستقبل القوى العاملة داخل إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة، نتوقع انتقال هيكلها من الشكل الهرمي التقليدي إلى نموذج أقرب إلى الشكل الماسي. ففي النموذج الهرمي، تضم القاعدة أعداداً كبيرة من الموظفين الذين ينفذون المعاملات والأعمال الإدارية المتكررة، ثم تتناقص الأعداد كلما اتجهنا إلى المستويات الأعلى. أما النموذج الجديد، فستضيق قاعدته وتتسع مستوياته الوسطى، مع تراجع الحاجة إلى أعداد كبيرة لتنفيذ المعاملات اليومية وإدارتها. ويعود ذلك إلى أن الأتمتة ستتولى جزءاً كبيراً من هذه الأعمال، سواء من خلال أتمتة العمليات الروبوتية، وهي برامج تنفذ الخطوات المتكررة وفق قواعد محددة، أو باستخدام الذكاء الاصطناعي. ونتيجة لذلك، ستتجه الوظائف بصورة أكبر نحو تحليل المعلومات وصنع القرار، وهي مهام تتطلب مهارات مختلفة عن تلك اللازمة لمعالجة المعاملات الروتينية. وسيظل الموظفون بحاجة إلى الخبرات التي تمكنهم من إدارة التخطيط المالي أو التوريد الاستراتيجي في المشتريات، لكن المؤسسات ستحتاج أيضاً إلى كوادر تستطيع الإشراف على قوة عمل رقمية تتكون من وكلاء الذكاء الاصطناعي. وسيتولى هؤلاء الموظفون توزيع المهام على الوكلاء، ومتابعة أدائهم، ومراجعة نتائجهم، في وقت تنفذ فيه هذه الأنظمة أعمالاً متعددة داخل الإدارة. وهكذا ستتراجع الوظائف التنفيذية في قاعدة الهيكل، مقابل اتساع المستويات الوسطى التي يتركز فيها التحليل وصنع القرار والإشراف على الذكاء الاصطناعي. وهذا هو نموذج القوى العاملة الذي نتوقع أن يتشكل خلال السنوات المقبلة.
جوش بيترز: أرى أن هذا التحول يفرض على المؤسسات تسريع تدريب الموظفين في بداية مسيرتهم المهنية وتطوير مهاراتهم. ففي السابق، كان الموظف يقضي فترة أطول في الوظائف المبتدئة، يكتسب خلالها الخبرة التقنية والمعرفة العملية اللازمة قبل الانتقال إلى منصب إشرافي. ومع تولي الأتمتة جانباً متزايداً من هذه الأعمال، قد تتقلص الوظائف التي كانت تمثل نقطة البداية لهذا المسار، ما يمنح الموظفين وقتاً أقل لبناء خبراتهم بالطريقة التقليدية. وإذا تراجع عدد هذه الوظائف بدرجة كبيرة، فستحتاج المؤسسات إلى إيجاد مسارات جديدة لتدريب موظفيها على مجالات عمل متعددة، مثل المالية والمشتريات والموارد البشرية، وإعدادهم للانتقال إلى المسؤوليات الإشرافية بوتيرة أسرع. كما سيتعين تأهيلهم لإدارة قوة عمل رقمية تتكون من أنظمة ووكلاء ذكاء اصطناعي، من خلال توزيع المهام عليها، وتنسيق عملها، ومتابعة أدائها، ومراجعة النتائج التي تنتجها.
هايكو هايمس: سيؤدي هذا التحول أيضاً إلى تغيير جوهري في المسارات المهنية داخل المؤسسة بأكملها، وليس داخل إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة وحدها. فهذه الإدارات تواجه اليوم معدلات مرتفعة في مغادرة الموظفين، ما يضطرها إلى استقطاب بدلاء وتدريبهم بصورة مستمرة، فضلاً عن تحسين بيئة العمل وتوفير فرص أفضل للتطور المهني حتى تتمكن من الاحتفاظ بكوادرها. وسيصبح هذا التحدي أكبر خلال السنوات المقبلة مع تراجع عدد الوظائف المبتدئة. فقد كانت هذه الوظائف تمثل نقطة دخول يتعلم فيها الموظفون تفاصيل العمليات ويكتسبون الخبرة تدريجياً قبل انتقالهم إلى المناصب المتوسطة والإشرافية. وإذا تقلصت هذه القاعدة بفعل الأتمتة، فلن تستطيع الإدارة الاعتماد على مسارها الداخلي وحده لإعداد أصحاب الخبرة الذين تحتاج إليهم. ولهذا ستحتاج المؤسسات إلى زيادة حركة الموظفين بين إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة وبقية أقسامها. فقد ينتقل إليها موظفون من المالية أو الموارد البشرية أو المشتريات لاكتساب خبرة أوسع في العمليات المشتركة، بينما ينتقل العاملون فيها لاحقاً إلى وظائف أخرى داخل المؤسسة للاستفادة من الخبرات التي اكتسبوها. ويتطلب نجاح هذا النموذج تعاوناً أوثق بين الجانبين، حتى تصبح المسارات المهنية واضحة ومتنوعة وجاذبة للموظفين، ولا يشعر العاملون بأن انتقالهم إلى الخدمات المؤسسية المشتركة يحصر فرصهم الوظيفية داخلها.
جوش بيترز: من أبرز النماذج الرائدة التي اطلعت عليها تجربة في مجال إدارة طلبات العملاء وحساباتهم، شملت الاتصالات الواردة من العملاء والمكالمات التي تبادر بها الشركة للتواصل معهم. وقد طورت إحدى الشركات تقنية متقدمة تستطيع فهم سياق كل اتصال وسببه، ثم تحديد الحل أو الإجراء الذي يرجح أن يلبي حاجة العميل ويحقق رضاه. ومع ذلك، واجهت الشركة صعوبة في إقناع فريق المبيعات باستخدام التقنية. فلم تكن المشكلة في قدراتها، وإنما في مخاوف الموظفين من تأثيرها في وظائفهم، إذ كان السؤال الذي يشغلهم: هل ستغير هذه التقنية طريقة عملي والدور الذي أؤديه؟ ومن خلال عملنا مع الشركة، خرجنا بعدد من الدروس المهمة.
كان الدرس الأول أن نجاح التقنية يعتمد على الموظفين بقدر اعتماده على قدراتها، وربما يكون العامل البشري هو الأهم في هذه المعادلة. ورغم أن الشركة عملت على تحسين تدريب النماذج، فإن التحدي الأساسي تمثل في إقناع فريق المبيعات بأن استخدام التقنية سيحقق فائدة مباشرة لهم وللعملاء، وليس مجرد وسيلة تساعد المؤسسة على خفض تكاليفها. فإخبار الموظفين بأن النظام يستطيع التعامل آلياً مع 50 في المئة من المكالمات وتحقيق وفورات كبيرة لا يشجعهم وحده على تبنيه. أما ما يدفعهم فعلياً إلى استخدامه فهو أن يدركوا كيف سيوفر لهم وقتاً يمكن استثماره في مهام أكثر أهمية، وكيف سيمكّنهم من معالجة مشكلات كانوا يضطرون سابقاً إلى إحالتها إلى مشرفيهم. ويتحقق ذلك عندما يزود الذكاء الاصطناعي الموظف بالمعلومات والتوجيهات اللازمة أثناء المحادثة، ويقترح عليه طريقة التعامل مع الحالة استناداً إلى ما يقوله العميل. وبهذا الدعم، يصبح قادراً على حل مواقف أكثر تعقيداً والوصول إلى حلول كانت تتطلب سابقاً تدخل مسؤول أعلى. أما الدرس الثاني، فهو أن إسناد هذه المسؤوليات إلى الموظف يشعره بالإنجاز والثقة بقيمة دوره، لأنه لم يعد ينفذ المهام الروتينية وحدها، وأصبح يتعامل بنفسه مع حالات مهمة كانت تُحال سابقاً إلى مديره أو مشرفه.
كريستيان جونسون: بما أن المؤسسات ليست أمام خيار بين الأساليب التقليدية والذكاء الاصطناعي، وإنما تحتاج إلى الجمع بينهما، فكيف يمكنها تحقيق التوازن المناسب؟ وكيف تواصل الاستفادة من الأساليب التي تعتمدها إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة، مثل تجميع الأعمال وتوحيد إجراءاتها وتحسين طريقة تنفيذها، وفي الوقت نفسه توظف الذكاء الاصطناعي لتطوير هذه الأعمال وإعادة تصميمها؟
جوش بيترز: اعتمدت إدارات الخدمات المؤسسية المشتركة، على مدى سنوات، نهجاً يبدأ بنقل الأعمال إلى الجهة أو المركز الأنسب لتنفيذها. ولا يتعلق الأمر باختيار موقع جغرافي فقط، وإنما بتجميع الأعمال المتشابهة في مركز موحد يضم الكفاءات المناسبة، ويستطيع تنفيذها على نطاق واسع وفق إجراءات ومعايير مشتركة. ولا توجد طريقة واحدة تناسب جميع المؤسسات، لكننا نرى مسارين رئيسيين. يبدأ المسار الأول بنقل الأعمال إلى إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة، للاستفادة من الكفاءات المتخصصة، وتحقيق وفورات الحجم، وتوحيد طريقة تنفيذ العمليات، والوصول إلى نتائج تشغيلية ومالية خلال فترة أقصر. وبعد تنظيم هذه الأعمال وتوحيد إجراءاتها، يأتي دور الذكاء الاصطناعي لتطويرها بدرجة أكبر، من خلال تسريع التنفيذ وتحسين جودة المخرجات وتقليل الجهد اليدوي. ويعد هذا المسار مناسباً بصورة خاصة للمؤسسات التي تريد تحقيق فوائد ملموسة بسرعة، إذ تبدأ بتجميع عملياتها وتنظيمها، ثم تطبق الذكاء الاصطناعي على أساس تشغيلي واضح وموحد.
وبالتوازي مع المسار الأول، نرى نهجاً آخر يبدأ بالأتمتة قبل نقل الأعمال إلى إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة. ويناسب هذا النهج المؤسسات التي تريد بناء قدرات رقمية طويلة الأمد في مجالات محددة، ولا سيما العمليات الاستراتيجية الأساسية التي تؤثر مباشرة في أداء المؤسسة. وفي هذه الحالة، لا يكون الهدف تحسين سرعة تنفيذ عملية منفردة فقط، وإنما استخدام الأتمتة لإعادة تطوير طريقة إنجاز الأعمال وتحقيق فوائد تمتد إلى المؤسسة بأكملها. ولهذا يبدأ السؤال من تحديد العمليات التي يمكن أن يؤدي تطويرها رقمياً إلى أكبر قيمة ممكنة للأعمال على المدى الطويل.
وفي هذا الإطار، يمكن أن يحقق فهم تدفق العملية وإعادة تصميمه بصورة شاملة قبل نقل جزء منها إلى خدمات الأعمال العالمية قيمة كبيرة للمؤسسة. ولا توجد قاعدة واحدة تحكم هذا القرار؛ فهو يتحدد وفق طبيعة العملية ووضع المؤسسة وأهدافها. فقد يكون من الأنسب نقل بعض أجزاء العملية إلى خدمات الأعمال العالمية أولًا، ثم مواصلة تطويرها وأتمتتها في مرحلة لاحقة. أما في حالات أخرى، فقد يكون البدء بأتمتة أجزاء معينة قبل نقلها إلى خدمات الأعمال العالمية هو الخيار الأكثر ملاءمة. وبناءً على طبيعة كل عملية، يتعين النظر إلى كل جزء منها على حدة، وتحديد المسار الذي يتوافق بصورة أفضل مع طبيعته والنتائج التي تسعى المؤسسة إلى تحقيقها.
هايكو هايمس: وفي هذا المسار، تبدأ المؤسسة بدراسة تسلسل العمل كاملاً، من أول خطوة إلى آخرها، وتحديد كيفية انتقال المهام والمعلومات بين الإدارات. ثم تعيد تصميم هذا التسلسل لمعالجة التعقيدات وإلغاء الخطوات غير الضرورية، قبل نقل جزء من الأعمال إلى إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة. ويحقق هذا النهج قيمة كبيرة، لأنه يمنع المؤسسة من نقل إجراءات قديمة ومواطن قصورها كما هي إلى الإدارة الجديدة. ومع ذلك، لا توجد قاعدة واحدة تناسب جميع الحالات؛ فالاختيار يعتمد على طبيعة العمل ووضع المؤسسة والنتائج التي تريد تحقيقها. وقد يكون من الأفضل نقل بعض المهام أولاً إلى إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة لتوحيدها وتنظيمها، بينما تحقق مهام أخرى نتائج أفضل إذا بدأت المؤسسة بأتمتتها. ولهذا يجب تقييم كل جزء من مسار العمل وتحديد نقطة البداية الأنسب له.
أما العامل الأخير الذي يحدد المسار الأنسب، فهو طبيعة العملية المراد تطويرها. فعلى سبيل المثال، تبدأ بعض المؤسسات بالعمليات التي تتولى إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة جزءاً كبيراً منها بالفعل، لأن لديها الخبرة والبيانات والأنظمة اللازمة لتطويرها. وفي المجال المالي، تشمل هذه العمليات الشراء منذ تقديم الطلب حتى سداد مستحقات المورد، وإدارة طلب العميل حتى تحصيل قيمته، فضلاً عن تسجيل المعاملات وإعداد التقارير المالية. غير أن تطبيق الذكاء الاصطناعي لا يتم بالسهولة نفسها في جميع هذه المجالات؛ فبعضها يعتمد على خطوات واضحة ومتكررة، ما يجعله أسرع في الأتمتة، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى إعادة تنظيم إجراءاته وبياناته أولاً. وعليه، لا يمكن اعتماد مسار واحد لجميع الأعمال. فقد يكون الأنسب أتمتة بعض العمليات أولاً، في حين تستفيد عمليات أخرى من نقلها إلى إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة وتوحيد طريقة تنفيذها قبل تطبيق الذكاء الاصطناعي عليها. ويتحدد القرار وفق طبيعة كل عملية، ومدى جاهزيتها للأتمتة، والنتائج التي تريد المؤسسة تحقيقها.
كريستيان جونسون: بعد استعراض هذه العوامل، ما أبرز الأمثلة أو الحالات التي شهدتموها لدى العملاء، وأسهمت فيها بعض هذه العوامل في ترجيح أحد المسارين على الآخر؟
جوش بيترز: كثيراً ما يسألنا العملاء: لماذا لا نبدأ دائماً بالأتمتة؟ وهل ما زالت منظومة الخدمات المؤسسية المشتركة ضرورية؟ وهل لا يزال من المجدي البدء باختيار الجهة والموقع الأنسب لتنفيذ الأعمال؟ وتختلف الإجابة بحسب وضع كل مؤسسة. فبعض المؤسسات لا تزال في بداية طريقها نحو إنشاء منظومة للخدمات المؤسسية المشتركة، وتحتاج في الوقت ذاته إلى تحسين أدائها وتحقيق نتائج سريعة، بينما لم تصل إجراءات العمل لديها إلى مستوى كافٍ من التنظيم والتوحيد يسمح بأتمتتها مباشرة. وفي هذه الحالات، نرى مؤسسات كثيرة تبدأ أولاً بإنشاء منظومة للخدمات المؤسسية المشتركة ونقل الأعمال إليها، بعد اختيار الجهة والموقع الأنسب لتنفيذها. فهذا المسار يساعدها على تنظيم العمل وتوحيد إجراءاته وتحقيق مكاسب سريعة، ثم يهيئها لتطبيق الأتمتة والذكاء الاصطناعي بصورة أوسع لاحقاً.
وعلى الجانب الآخر، قد تختار المؤسسة البدء بالأتمتة عندما تجد فرصة يمكن أن تحقق لها عائداً مالياً كبيراً. ففي هذه الحالة، لا يكون الهدف مجرد تقليل عدد الموظفين أو خفض تكلفة إحدى العمليات أو إنجاز قدر أكبر من العمل خلال الوقت ذاته، بل معالجة مشكلات تؤثر مباشرة في الإيرادات والأرباح. وقد يشمل ذلك الحد من الأموال التي تخسرها المؤسسة بسبب أخطاء الفوترة أو ضعف التحصيل، ومساعدتها على بيع منتجاتها وخدماتها بالسعر المستهدف من دون تقديم خصومات غير ضرورية، فضلاً عن تحسين هامش أرباحها ولو بنسبة محدودة. وعندما تكون الأتمتة قادرة على تحقيق هذا الأثر المالي المباشر، يفضل كثير من العملاء تطبيقها أولاً، لأن فائدتها تمتد إلى أداء المؤسسة وربحيتها، ولا تتوقف عند تحسين كفاءة إجراء واحد.
هايكو هايمس: تكمن أهمية النقاش الدائر اليوم حول الذكاء الاصطناعي في أنه تجاوز التركيز على الكفاءة وحدها، فلم يعد السؤال مقتصراً على كيفية خفض التكاليف بسرعة. وأصبحت المؤسسات تنظر إلى أثر هذه التقنية من ثلاث زوايا مترابطة: الكفاءة من خلال إنجاز العمل بوقت وتكلفة أقل، والفاعلية عبر تحسين جودة النتائج، وتجربة العميل بتقديم خدمة أسرع وأكثر ملاءمة لاحتياجاته.
ومن الأمثلة الواضحة على ذلك إدارة طلب العميل منذ استلامه حتى تحصيل قيمته، وهي من العمليات التي يكثر فيها توظيف الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة الخدمات المؤسسية المشتركة. ويساعد استخدامه أولاً على إنجاز هذه العملية بوقت وجهد أقل، وتقليل عدد الموظفين المطلوبين لإدارتها. غير أن الفائدة لا تتوقف عند تحسين الكفاءة؛ فالذكاء الاصطناعي يساعد أيضاً على اكتشاف أخطاء الفواتير ومتابعة المبالغ المستحقة في موعدها، ما يحد من خسارة الإيرادات بسبب التأخر في السداد أو عدم تحصيل المستحقات كاملة. ولأن هذه العملية ترتبط بالعميل مباشرة، فإن تنفيذها بسلاسة، بدءاً من تسجيل الطلب ووصولاً إلى إصدار الفاتورة واستلام المبلغ، يمنحه تجربة أفضل ويعزز ثقته بالمؤسسة وارتباطه بها. وهكذا تجمع العملية بين المحاور الثلاثة: خفض الوقت والتكلفة، وتحسين النتائج المالية، وتطوير تجربة العميل. ويحقق هذا التكامل أثراً أوسع للمؤسسة من مجرد تقليل عدد الوظائف أو تحقيق وفر محدود في النفقات.
كريستيان جونسون: تحدثنا كثيراً عن قدرة الذكاء الاصطناعي على إحداث تغيير جذري في طريقة إنجاز العمل، ولكن ما الاستخدامات التي بدأت المؤسسات في تطبيقها على نطاق واسع؟ وإلى أي مرحلة وصل عملاؤكم اليوم، ولا سيما المؤسسات المتقدمة في تبني هذه التقنيات؟
هايكو هايمس: جميع العملاء الذين أتعامل معهم يفكرون اليوم في استخدام الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة الخدمات المؤسسية المشتركة، وقد بدأ نحو نصفهم تجارب عملية لتطوير أولى حالات الاستخدام وتحديد المجالات التي يمكن أن تحقق فيها التقنية نتائج ملموسة. وخلال الأشهر التسعة إلى الاثني عشر الماضية، ظهرت أكثر النماذج تقدماً في العمليات المالية المعروفة، ولا سيما عندما تتولى إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة العملية كاملة من بدايتها حتى نهايتها. ففي هذه المجالات، تتوافر لديها رؤية شاملة لجميع مراحل العمل، ما يمنحها فرصة أكبر لتطبيق الذكاء الاصطناعي وتحسين العملية بأكملها، وليس مهمة منفردة منها.
ومن الأمثلة على ذلك أحد عملائي الذي يعتمد منذ سنوات على إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة لإنجاز الأعمال الإدارية ضمن دورة الشراء والسداد. وتبدأ هذه المرحلة عند استلام فاتورة المورد، ثم مراجعتها ومطابقتها مع أمر الشراء للتأكد من صحة المبلغ والتفاصيل، قبل اعتمادها وسداد قيمتها. وقد تتطلب هذه الخطوات التواصل مع المورد لمعالجة أي اختلاف أو استكمال المعلومات اللازمة.
وفي مرحلة لاحقة، ربط العميل استخدام الذكاء الاصطناعي في مراجعة الفواتير وسدادها بالخطوات التي تسبق تنفيذ عملية الشراء. فعندما يقدم أحد الأقسام طلباً لشراء سلعة أو خدمة، يبدأ التواصل مع الموردين المفضلين، ثم يُختار المورد المناسب ويُصدر أمر الشراء. وقد أعادت المؤسسة تصميم هذه العملية، ليتولى الذكاء الاصطناعي جانباً كبيراً من البحث عن الموردين والمساعدة في اختيار الأنسب منهم، تحت إشراف إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة. وبذلك، لم تعد مسؤولية هذه الإدارة تبدأ عند وصول الفاتورة، بل أصبحت تشارك منذ تقديم طلب الشراء واختيار المورد. وتكتسب هذه الخطوات المبكرة أهمية كبيرة، لأن اختيار المورد الصحيح وإصدار أمر شراء دقيق يقللان الأخطاء والخلافات عند مراجعة الفاتورة، ويساعدان على إتمام السداد بسلاسة.
ويمنح هذا النموذج إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة مسؤولية أكبر عن العملية ونتائجها من بدايتها حتى نهايتها. كما يقلل انتقال العمل بين جهات متعددة وما قد يسببه ذلك من تأخير وأخطاء، فتسير إجراءات الشراء والسداد بصورة أسرع وأكثر سلاسة. ويمتد أثر هذا التحسن إلى الموردين أيضاً، إذ تصبح الإجراءات أكثر وضوحاً وانتظاماً، وتُراجع فواتيرهم وتُدفع مستحقاتهم في المواعيد المتفق عليها. وهذا يجعل تجربتهم مع المؤسسة أفضل ويزيد رضاهم عن طريقة إدارة العملية بأكملها.
جوش بيترز: لا يكفي أن تبدأ المؤسسة باختبار تطبيقات متفرقة للذكاء الاصطناعي؛ الأهم أن تحدد منذ البداية النتائج التي تريد تحقيقها. فقد طلب منا أحد العملاء مراجعة استراتيجيته في هذا المجال، وتركز جانب كبير من العمل على حصر عشرة أو عشرين استخداماً محتملاً في كل مجال، ثم تحديد ما يمكن أن يحقق منها أعلى عائد على الاستثمار. ولهذا تحتاج المؤسسة إلى هدف واضح يوجه اختياراتها، مثل زيادة الإيرادات أو تحسين التحصيل أو خفض التكلفة، حتى لا تتحول جهودها إلى تجارب منفصلة لا تقود إلى نتيجة محددة. ويبدأ ذلك باختيار المجال الذي يحمل أكبر قيمة للأعمال. فقد تكون الفرصة، مثلاً، في إدارة طلب العميل منذ استلامه حتى تحصيل قيمته. وبعد اختيار المجال، تنظر المؤسسة في جميع التغييرات المطلوبة لتطويره. وقد يعتمد بعضها بدرجة كبيرة على الذكاء الاصطناعي الوكيل، الذي يستطيع تحليل كل حالة وتحديد العميل الذي يجب التواصل معه، والوقت المناسب لذلك، والخطوة التالية التي تتوافق مع ظروفه. في المقابل، قد تتطلب أجزاء أخرى تعديل الإجراءات أو تحسين البيانات وتوزيع المسؤوليات من دون استخدام الذكاء الاصطناعي. وقبل المضي في اختيار هذه المبادرات، على المؤسسة أن تضع حداً أدنى للقيمة التي يجب أن يحققها كل استخدام مقترح حتى يستحق الاستثمار فيه. كما تحتاج إلى مراجعة الأعمال محدودة الفائدة وإلغائها إذا لم تعد ضرورية. فمن دون هذه المراجعة، قد تنجح تقنياً في أتمتة مهمة ما، ثم تكتشف أنها أنفقت وقتها ومواردها على عمل لم يكن يستحق التنفيذ من الأساس.
كريستيان جونسون: هذه نقطة مهمة تستحق التوقف عندها. تحدثتم عن ضرورة تجنب أتمتة الأعمال غير الصحيحة، فما الرسائل أو الخطوات الأخرى التي ترون أهمية التركيز عليها في هذه المرحلة؟
هايكو هايمس: عند الجمع بين منظومة الخدمات المؤسسية المشتركة والذكاء الاصطناعي، أرى أن هذه المنظومة يمكن أن تسرّع استخدام التقنية في مختلف أنحاء المؤسسة. فهي غالباً الجهة التي تمتلك بالفعل قاعدة تقنية متينة، تشمل الأنظمة والبيانات والخبرة اللازمة لتطوير الأعمال التي تقدمها الإدارات المساندة. وفي أفضل الحالات، لا تنظر إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة إلى كل مهمة منفصلة عن الأخرى، بل تتابع العملية كاملة من بدايتها حتى نهايتها، حتى عندما تمر بعدة إدارات. وهذه الرؤية الشاملة تمنع كل إدارة من معالجة الجزء الذي يخصها بمعزل عن بقية المراحل، وتكشف مواضع التأخير والتكرار والخلل على امتداد العملية. وبفضل هذه القاعدة التقنية وفهمها الشامل لمسار العمل، تستطيع إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة استخدام الذكاء الاصطناعي لإعادة تصميم العملية بأكملها، وتحديد ما يمكن أتمتته أو تحسينه، ثم تطبيق هذا النموذج على نطاق أوسع داخل المؤسسة.
وعلى المؤسسة أن تنطلق من هذه الأسس، فتجمع بين القاعدة التقنية المتينة والرؤية الشاملة لمراحل العمل، وتستفيد من إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة بوصفها الجهة التي تنظم هذه العمليات وتربط بينها. وبعد ذلك، يمكنها تحديد ما يستطيع الذكاء الاصطناعي تغييره فعلياً، والنتائج التي يمكن أن يحققها. ولا يُفضل البدء بمشروع محدود إلى درجة لا يظهر معها أثر واضح، أو بمبادرة واسعة يصعب التحكم في متطلباتها. فالأنسب اختيار نطاق متوسط، يكون كبيراً بما يكفي لإثبات جدوى الذكاء الاصطناعي، ومحدداً بما يسمح للمؤسسة بإدارته من دون إرهاق فرق العمل أو الأنظمة. وبهذه الطريقة، تستطيع المؤسسة بناء نموذج رائد يحقق نتائج ملموسة، ثم الاستفادة من خبرته وتطبيقه على عمليات ومجالات أخرى.
جوش بيترز: أتذكر ما حدث خلال عامي 2017 و2018، بعد أن وصلت أتمتة العمليات الروبوتية، وهي البرامج التي تنفذ المهام المتكررة وفق خطوات محددة، إلى مرحلة من النضج. فقد أعلن كثيرون آنذاك، ومن بينهم شركات الاستشارات والشركات المتخصصة في ربط الأنظمة التقنية، أن دور منظومة الخدمات المؤسسية المشتركة قد انتهى. وأسمع اليوم آراء مشابهة تزعم أن انتشار الذكاء الاصطناعي الوكيل يعني أن هذه المنظومة لن تستمر طويلاً. غير أن الحديث عن نهايتها مبالغ فيه بدرجة كبيرة؛ إذ يمكن أن تظل المركز الذي تعيد فيه المؤسسة تصميم عملياتها كاملة، وتنظم انتقال العمل بين مراحله المختلفة وإداراته وأنظمته. كما تمتلك إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة الخبرة والقدرات التي تؤهلها لتولي هذا الدور. ويتطلب النجاح العمل في اتجاهين متكاملين. الأول هو استخدام الذكاء الاصطناعي لتقليل الأعمال اليدوية وتسريع تنفيذ المهام، والثاني هو مواصلة نقل عمليات إضافية إلى إدارة الخدمات المؤسسية المشتركة حتى تُوحَّد وتُدار بصورة مركزية. ومن خلال الجمع بين الاتجاهين، تستطيع هذه الإدارة الانتقال من دور يركز على إنجاز المعاملات وخفض التكاليف إلى دور أوسع يحقق نتائج ملموسة للمؤسسة، مثل تحسين جودة العمل وتسريع الخدمة ورفع العائد من عملياتها.