مكافحةُ شللِ الأطفالِ في نيجيريا

– بحلول صيف هذا العام، تكونُ دولةُ نيجيريا قدْ أمضتْ العاميْن المنصرميْن بدونِ تسجيلِ أيّ إصابة بشللِ الأطفالِ. وخلالِ الإثني عشرَ شهرًا القادمةَ، ستكونُ نيجيريا، وقارّةُ أفريقيا بأكملها، قدْ أصبحتْ خالية من مرضِ شللِ الأطفالِ.

ولكنْ لسوءِ الحظّ وفي الحادي عشر من أغسطس الماضي، أكّدتْ منظّمةُ الصحّةِ العالميّةِ وجودَ إصابتيْن جديدتين بشللِ الأطفالِ في شمالِ شرقِ البلادِ في مناطقَ تحرّرتْ حديثًا من المتمرّدين. وفي ضوءِ ذلكَ، قامتْ نيجيريا وشركاؤها العالميون باتخاذِ الإجراءاتِ اللازمةِ لمواجهةِ هذا التّحدي الجديد.

وعلى الرّغمِ من اعتبارِ هذا الخبرِ بمثابةِ انتكاسةٍ في مساعي نيجيريا لاستئصالِ مرضِ شللِ الأطفالِ، إلا أنّه لا يقلل من حجم الخطوات الواسعة التي اتّخذتها الحكومة النيجيريّة خلالَ السّنواتِ الأخيرةِ من أجل القضاء على هذا المرض ودحره. ولعلَّ من أهمّ الإنجازاتِ التي حقّقتها نيجيريا هي حشدُ وتعبئةُ موظفي الحكومةِ والعاملينَ في القطاعِ الصحيّ وملايينِ المواطنين لمواجهة هذا المرض.

وقدْ عملَ شريكُ ماكنزي، سكوت ديسمارايس، عن كثبٍ مع هذهِ المجموعاتِ؛ حيثُ كانَ قائدًا لفريقِ عملِ ماكنزي الذي دعمَ الجهودَ المبذولةَ لمكافحةِ مرضِ شللِ الأطفالِ. وفي هذا الفيلمِ القصيرِ، يشرحُ سكوت كيفَ قامت الحكومةُ بتغييرِ الأوضاعِ خلالَ فترةٍ قصيرةٍ من الزّمنِ.

مقابلة

تحدّثنا أيضًا مع سكوت ومع المستشارِ السابقِ إيمانويل ماجاني عن خبراتهم في هذا المشروعِ. وقد كانَ سكوت حتّى وقتٍ قريبٍ يقيمُ في لاجوس، ويعملُ على تنميةِ الاقتصاداتِ لأكثرِ من عشرينَ عامًا. أما إيمانويل فقدْ نشأَ في كانو؛ وهي منطقةٌ مهمّةٌ جدًّا للمشروعِ وتقعُ في لاجوس.

كيفَ شاركَتْ ماكنزي في مكافحةِ مرضِ شللِ الأطفالِ؟

سكوت ديسمارايس: بدأْنا في عامِ ٢٠١٢ بالحديثِ مع مؤسسة بيل وميليندا غيتس حولَ تّأسيسِ مركزٍ لعمليّات الطوارئ للمساهمةِ في الإشرافِ على جهودِ القضاءِ على مرضِ شللِ الأطفالِ في نيجيريا، ولقدْ كانَ مشروعًا رياديًّا للغاية. وكان مركزُ عملياتِ الطّوارئ مفهوماً جديدًا تمامًا آنذاك، ويعدُّ فرصةً مهمّةً لمَكتبِنا في لاجوس الذي افتتحناه مؤخّرًا لدعمِ نيجيريا وشركائها حول العالم في هذهِ القضية التي تحظى باهتمامٍ بالغٍ على مستوى العالم، حيثُ ساعدْنا في إطلاقِ مركزِ عمليّاتِ الطّوارئ الوطنيّ لشللِ الأطفالِ في أبوجا قبلَ أنْ يكونَ لدينا مبنىً من الأساسِ أو حتّى مكتبٌ أو أيّ شيءٍ. كما تعاونّا مع المركز حتّى شهرِ يوليو من عامِ ٢٠١٥، حيث أرْسلنا آخرِ مجموعةً من مستشارينا؛ إلا أننا واصلْنا العملَ عنْ كثبٍ مع زملائنا في المركزِ.

هل كانَ هَدَفُكم القضاءُ على شللِ الأطفالِ في نيجيريا نهائيًا؟

إمانويل ماجاني: لمْ يكنْ مرضُ شللِ الأطفالِ يُمثِل أهمية كبيرة بالنسبة لسكان مدينة لاجوس، فقد تم القضاءُ على هذا المرضِ في نيجيريا منذ سنواتٍ عديدة، باستثناء المناطقِ الشماليّةِ منها، والتي تتضمّن مدينةَ كانو التي نشأتُ فيها. لمْ يُصبْ أحدٌ منْ أقاربي بالمرضِ، ولكنّ أعراضهُ كانتْ واضحةً في كافّةِ أرجاءِ المدينةِ. فمنَ الأمورِ المعروفةِ عنْ شللِ الأطفالِ أنّهُ يصيبُ عادةً الأطفالَ تحتَ سنِّ الخامسةِ، وتسْتَمِرُ معاناتهم طوال حياتهم. وإذا قمتَ بزيارةِ مدينةِ كانو فسترى هؤلاء الأطفالِ، فالعديدُ منهم، لسوءِ الحظّ، ينتهي به المطافُ متسولاً في الشوارعِ، رغم أنَّ جرعةً واحدةً فقط مِنَ اللقاحِ كفيلةً بتغييرِ شكلِ حيَاتهِم.

سكوت ديسمارايس: نعم. لقد أحرزتْ نيجيريا تقدّمًا في جُهودها الرّامية إلى القضاءِ على مرضِ شللِ الأطفالِ، إلا أنها تَعرضت لبعضِ الانتكاسات. ففي عامِ ٢٠١٢، تراجع ترتيب نيجيريا في معدلات استئصال هذا المرض بالمقارنة مع الدّولِ الأخرى ومنها الدّولُ التي تعاني من الحروب مثل أفغانستان. وكانَ واضحًا أن نيجيريا بحاجةٍ إلى اتّباعِ منهجيّةٍ مختلفةٍ؛ فقرّرت الحكومةُ التدخل بشكلٍ فعّالٍ. وبالفعل، اتخذت الحكومة النيجيرية خطوات واسعة للقضاء على المرض إلى أن وصلت إلى مرحلة شهدت فيها عامين دونِ تسجيل أيّة إصاباتٍ بمرضِ شللِ الأطفال. ولا شكَّ أنّ هذه المرحلةُ تشكّل خطوةً مهمّةً نحو القضاءِ بشكل كامل على هذا المرض. ولكن مع ظهورِ حالاتٍ جديدةٍ في ولايةِ بورنو، تبينَ أن التخلّصَ من شللِ الأطفالِ هو عبارةٌ عن حربٍ تتضمّنُ العديدَ من المعارك. وستحتاج الحكومةُ وشركاؤها حول العالم إلى مواصلة الالتزام بالحفاظِ على المناطقِ المتبقّيةِ والتي لا يزالُ المرضُ فيها مستعصيًا على محاولاتِ التصدي لهُ.

حقّقت نيجيريا نجاحًا استمرَ لمدةِ عاميْن تقريبًا دون ظهورِ أيّة إصابة لمرضِ شللِ الأطفالِ، خلالَ الفترةِ ما بين شهرِ يوليو ٢٠١٤ ويوليو ٢٠١٦.

ما النجاحات التي حقّقَها مركزُ عمليات الطوارئ؟

سكوت ديسمارايس: من المهمّ الاعتراف بجهود الحكومةُ النيجيريّةُ والإنجازات التي تمكنت من تحقيقها خلال مكافحتها لمرضِ شللِ الأطفالِ خلال ٣ سنواتٍ. فمن خلال تأسيسِ مركزِ عمليّاتِ الطوارئ، تمكّنت الحكومةُ من الاستفادةِ منهُ في التصدي للحالات المصابة التي ظهرتْ مؤخرًا في شمالِ شرقِ البلاد. كذلك، نجحتْ نيجيريا في الاستفادةِ من الخبراتِ التي اكتسبتها من مراكزِ عمليّاتِ الطّوارئ في تأسيسِ مركزٍ مشابهٍ لمكافحة مرضِ الإيبولا في لاجوس، ساهمَ بشكلٍ كبيرٍ في القضاءِ على هذا المرضِ خلال ثلاثةِ أشهرٍ فقط (بما في ذلك المدّة التي حددتها منظّمةُ الصحّةِ العالميّةِ البالغة اثنين وأربعينَ يومًا دون ظهورِ أيّة حالة من حالات الإيبولا).

ماذا عن الحالات التي ظهرت مؤخّرًا في شمالِ شرقِ البلاد؟

سكوت ديسمارايس: علمنا دومًا أن هناك خطر في بقاءِ مرضِ شللِ الأطفالِ في المناطقِ الشماليّةِ الشرقيّةِ من البلاد، فقدْ حال تواجد المجموعاتُ المتمرّدةُ في بعضِ المناطق دونَ وصولِ الملقِحون إلى بعضَ المناطقِ. وفي تلكَ المناطقِ، كانَ السّكانُ مجبرونَ على النزوح من مساكنهم والتنقّلِ في البلاد، حيثُ كانَ العديدُ منهم ينتقلونَ للعيْشِ في مخيّماتٍ، وبعضهم كان ينتقل إلى العاصمةِ أو المدنِ الأخرى في المنطقةِ، ما صعبَّ عمليّةِ تتبّعِ سيرِ العملِ، والتوصل إلى أساليبٍ جديدةٍ لحصرِ عدد الأطفال الذينَ لمْ يحصلوا على اللقاح وتقليله، ورفعِ مستوياتِ المناعةِ ضد مرضِ شللِ الأطفالِ .

عملنا مع أطبّاء ومختصّينَ مُدرَبين من وكالة ِتطويرِ الرّعايةِ الصحيّةِ الأوليّةِ في نيجيريا، إلى جانبِ مراكزِ الوقايةِ والسّيطرةِ على الأمراضِ، ومنظّمةِ الصحّةِ العالميّةِ، كما عملنا مع خبراءَ عالميّين لمكافحةِ مرضِ شللِ الأطفالِ؛ للبحثِ في البياناتِ المحدودةِ المتاحةِ آنذاك، ونجحنا في اكتشاف أساليبٍ مبتكرةٍ في الوصولِ إلى الأطفالِ وتوفير اللقاح لهم. وقد تضمّن ذلكَ حملات «التعامل السريع» حيثُ تقومُ مراكزُ عمليَاتِ الطّوارئ بالتحري عن الأوقات الآمنة من الجيش النيجيريّ أوالمجتمعِ المحليّ التي يمكنُ خلالها الذّهابَ إلى مناطقَ محدّدةٍ وتطعيمِ الأطفال. وخلال هذه الفتراتِ ينتقلُ المُلَقَّحُون سريعًا لمدةِ يومٍ أو يوميْن لتطعيمِ أكبرِ عددٍ ممكنٍ من الأطفالِ، ومن ثمّ التحدّثِ إلى المجتمعِ المحليّ لنشر التوعية بين أفراده حول ما يؤدون من عملٍ. كذلك توصلت مراكزُ عمليّاتِ الطّوارئ إلى حلولٍ أخرى عبر تأسيسِ مخيّماتٍ للصحّةِ في هذهِ المناطقِ غيرِ المستقرّةِ، توفّرُ الرعايةَ الصحيّةَ للعائلاتِ ومنها لقاح شللِ الأطفالِ.

ما أكبرُ التحدّياتِ التي واجهها فريقُ العملِ؟

إمانويل ماجاني: تمتلكُ نيجيريا نظامًا صحيًّا وطنيًّا ولكن ما ينقصهُ هو القدرةُ على جمعِ البياناتِ وتحليلِها وتتبّعِها على المستوى المحليّ في المناطقِ التي تعاني من مرضِ شللِ الأطفالِ. وهذا يعني صعوبةَ إطلاقِ حملاتِ التطعيم. لقد كنّا في كانو جزءًا من فريقٍ تضمّنَ الحكوماتِ الفيدراليّةِ والوطنيّةِ ومنظّمةِ الصحّةِ العالميّةِ واليونيسف وغيرها، حيثُ توصلنا إلى طريقةٍ تضمن لنا التنسيق بشكلٍ أفضل؛ لاستكشاف الأمورَ التي يجبُ تركيزُ جهودنا حولها. وتطلبَ ذلك تكيّفُ العديدِ من الأفرادِ مع الطّريقةِ الجديدةِ للتعامل مع الأمورِ، كما تطلّب الأمر بعضًا من الوقتِ والجهدِ للتأكدِ أن جميع المشاركين يعملون على نسقٍ واحدٍ.

سكوت ديسمارايس: مثّل الوضعُ الأمنيُّ أحد التحدّياتِ الأخرى التي واجهناها. فقد بدأَ مركزُ عمليّاتِ الطّوارئ بالعملِ في كانو لعدّةِ شهورٍ فقط عندما قتلتْ المجموعاتُ المتمرّدةُ في الشّمالِ تسعةَ متطوّعينِ محليّين وكانوا جميعهم منَ النّساءِ الشّاباتِ اللاتي يعيطن اللّقاحاتِ في المنازلِ، وبلا شك كنَّ يلعبْنَ دورًا مهمًا جدًّا في جهود القضاء على هذا المرض. وبعدَ هذهِ الهجماتِ، قامَ رئيسُ نيجيريا وعددٌ من الوزراءِ بزيارةِ الأعضاءِ المصابينَ من فريقِ إعطاءِ اللّقاحاتِ، حيثُ اقتربَ الرئيسُ من إحدى النّساءِ الشّاباتِ التي أُصيبتْ بعيارٍ ناريّ في ساقها، وشكرها على مشاركتها في مكافحةِ مرضِ شللِ الأطفالِ، وسألها: «ماذا ستفعلينَ بعد تعرضك لتلك الحادثة؟» فأجابت المرأةُ: «حالما أتعافى، سوفَ أعود لأشارك زميلاتي في هذه الحملةِ لتكريم أولئك الذينَ توفوا وهم يساعدونَ في التخلّصِ من مرضِ شللِ الأطفالِ إلى الأبدِ».

إيمانويل، أنتَ مهندسٌ بالتدريبِ، كيفّ قدِمْتَ للعملِ في هذا المشروعِ؟

إمانويل ماجاني: في الواقعِ، كنْتُ أحدَ أوّلِ المستشارين في هذا المشروعِ، وكانَ المشروعُ أوّل المشاريعِ التي شاركت فيها مع ماكنزي. وبما أنَّ الكثيرَ من العملِ يحدثُ في ولايةِ كانو، كانَ من الضّروري جلبُ أحدٍ يفهمُ اللّغةَ والثّقافةَ فيها، وهي مختلفةٌ عن مناطقَ أخرى في نيجيريا. كما أنّ الغالبيّةَ العظمى من السكان مسلمين ويمتلكونَ ثقافةَ خاصة بهم. وعندما كنّا نذهبُ لحضورِ الاجتماعاتِ، لم يكنْ غريبًا أن يبدأوا الاجتماع بالصّلاةِ، ولذلك، شكّل وجودُ أحدٍ على علمٍ واطّلاعٍ بهذه الثقافةِ والعاداتِ ميزةً إيجابيةً.

ما هي اللّحظاتُ التي تتذكّرها من هذا المشروعِ؟

سكوت ديسمارايس: كانَ شرفًا لي أنْ أعملَ مع الحكومةِ وشركائها حول العالم لتأسيسِ مراكزَ عمليّاتِ الطّوارئ، ومنَ المهمّ جدّا أنْ نمنحَ التّقديرَ اللّازمَ لكلّ منْ يستحقّه. فقدْ حقّقتْ الحكومةُ النيجيريّةُ- على المستوييْن الفيدراليّ والوطنيّ-نجاحًا عظيمًا، ونحنُ نفخرُ بدعمهم، ودعمِ مؤسسةِ بيل وميليندا غيتس، وجميعِ شركائنا، ومنظّمة ِالصحّةِ العالميّةِ، ومراكزِ الوقايةِ والسّيطرةِ على الأمراضِ، وروتاري إنترناشونال. كانَ فريقنا بمثابةِ وصلةٍ داعمةٍ في هذه الآلةِ التي عملتْ وأنجزتْ المهمّةَ رغم ما واجهت من مصاعبٍ. وأفخرُ بالقوْلِ أنَّ العلاقةَ التي بنيناها قويّةٌ جدّا، كما أودُّ أنْ أشكرَ عددًا كبيرًا من زملائي في ماكنزي ممّن كرّسوا أنفسهم للمساهمةِ في التخلّصِ من مرضِ شللِ الأطفالِ في نيجيريا خلالَ السنواتِ القليلةِ الماضيةِ.