Learn-from-the-past-1536x1536-300offset_Standard

تعلّم من الماضي وخطّط للمستقبل: مدينة جديدة في المملكة العربية السعودية على البحر الأحمر

بقلم فهد الرشيد
تعلّم من الماضي وخطّط للمستقبل: مدينة جديدة في المملكة العربية السعودية على البحر الأحمر

إذا أردت بناء مدينة من الصفر، فعليك البدء بإرساء أساس اقتصادي قوي لها.

قبل ثلاثة آلاف سنة، بدأ أخناتون ببناء مدينة تل العمارنة المصرية التي قد تكون أول مثال عرفه التاريخ على التخطيط العمراني للبنية التحتية. ولكن بعد مرور عقد كامل على وفاة أخناتون، هاجر السكان من مدينة تل العمارنة، ليكون ذلك بمثابة دليل أزلي على أن بناء بنية تحتية وإقناع الناس باستخدامها يُشكلان تحديان مختلفان كليًا.

بناء بنية تحتية اقتصادية

تُعتبر مدينة الملك عبدالله الاقتصادية أكبر مدينة ممولة من القطاع الخاص في العالم. وتأتي هذه المدينة الاقتصادية الواقعة على بعد 100 كيلومتر تقريبًا إلى الشمال من مدينة جدة على شاطئ البحر الأحمر لتشكل ثمرة شراكة بين القطاعين العام والخاص مع حكومة المملكة العربية السعودية، حيث تم بناؤها برأسمال خاص غير معتمد على الإيرادات النفطية. وتجسد نموذجًا للمدن السعودية بعيدًا عن قطاع النفط، فهي تشكل بوابة تجارية ولوجستية تتيح للشركات إمكانية الوصول إلى سوق إقليمي سريع النمو يصل عدد المستفيدين منه إلى 620 مليون شخص

وُضع المخطط التنظيمي لمدينة الملك عبدالله الاقتصادية بحيث تستوعب مليوني شخص على مساحة 181 كيلومتر مربع، أي تقريبًا نفس مساحة العاصمة الأميركية واشنطن.

واليوم، هناك مايقرب نحو 25 بالمائة من المساحة الكلية قد تم تطويرها أو هي قيد التطوير. ويمكن للمدينة الاقتصادية أن تستقبل حوالي 10,000 شخص مع نهاية العام، علمًا أن نسبة استكمال تطوير المساحة المخططة ستصل إلى 40 بالمائة بحلول عام 2020، وبذلك يصل تعدادها السكاني إلى حوالي 50,000 شخص.

صُممت مدينة الملك عبدالله الاقتصادية بهدف استقطاب قطاعات صناعية جديدة إلى المدينة من خلال تلبية الطلب الكامن داخل المملكة العربية السعودية التي تمتاز بأكبر اقتصاد في المنطقة. فعلى سبيل المثال، تستورد المملكة العربية السعودية 80 بالمائة من احتياجاتها للأدوية، لذا شجعت مدينة الملك عبدالله الاقتصادية شركات الأدوية الرائدة أن تباشر عملياتها التشغيلية داخل المدينة، فأمسى قطاع الأدوية يشكل اليوم أحد أسرع التجمعات الصناعية نموًا في المدينة.

وتستعد أكثر من 100 شركة عالمية ومحلية لتشغيل عملياتها في المدينة في الصناعات غير النفطية بما في ذلك الأدوية والسيارات والخدمات اللوجستية والسلع الاستهلاكية.

كما تقوم إحدى الشركات النفطية الأوروبية بتشغيل مصنع خلط لمواد التشحيم في المدينة، وتعمل شركة لتصنيع السيارات على تجميع شاحنات تجارية، وتستعد شركة تكييف وتبريد لإنتاج وتصدير منتجاتها، بينما سيشهد العام القادم إضافة منطقة جمركية وعمليات تخزين متطورة.

يشكل بناء البنية التحتية التجارية واللوجستية جزءًا أساسيًا من النموذج الاقتصادي لمدينة الملك عبدالله الاقتصادية، إذ تضم المدينة ميناء الملك عبدالله الذي يقع في منطقة بحرية عميقة ويعتبر أول ميناء يتم بناءه بالكامل برأسمال خاص في المنطقة. وللميناء طاقة استيعابية لمناولة 3 ملايين حاوية سنويًا في الوقت الحالي، وسيصل هذا الرقم إلى 4.5 مليون بحلول نهاية عام 2016 وإلى 20 مليون مع استكمال العمل فيه بحلول عام 2025.

ويتصل الميناء مع شبكة الطرق الوطنية لتسهيل النقل وبالتالي جذب الشركات التي تحتاج لتحسين انتشارها في السوق السعودي. كما يجاور الميناء منطقة التصنيع الخفيف للوادي الصناعي للمدينة، ما يتيح للشركات شحن المواد الخام إلى منشآتها الصناعية وشحن منتجاتها للخارج، إما إلى السوق السعودي أو إلى المنطقة بأكملها.

وتتميز البنية التحتية الاقتصادية بأنها قادرة على توليد فرص عمل، وبالتالي زيادة الطلب على البنية التحتية السكنية والمدنية، مثل الإسكان والمدارس ومرافق الرعاية الصحية والترفيهية، وتشيد مدينة الملك عبدالله الاقتصادية هذه البنية التحتية المدنية على نطاق واسع.

وتعتبر المدن المهجورة التي تم تطويرها في مناطق أخرى مثالًا حيًا على خطورة بناء المدن بغرض الاستخدام النهائي طويل الأمد دون وجود قاعدة اقتصادية قوية تقوم عليها، فمن المكلف صيانة المرافق غير المستخدمة والمشيدة بغرض دعم السكان عندما يزداد عددهم في المستقبل، ولكن في نموذج القطاع الخاص يجب أن تكون المرافق مجدية اقتصاديًا منذ المراحل الأولى لإنشائها تقريبًا وذلك بهدف خفض تكاليف الصيانة. وقد تم بناء البنية التحتية في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية لتلبي التوقعات السكانية على المدى القريب، ومن ثم تتوسع مع زيادة زخم الدورة الاقتصادية.

ويعتبر المركز الطبي الرئيسي في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية في الوقت الحالي، على سبيل المثال، مرفقًا للرعاية الثانوية، ويقدم الدعم في حالات الطوارئ والطب العام والخدمات المختبرية وجدولًا دوريًا للعيادات التخصصية؛ إذ لا يعدُّ الطلب على الخدمات الصحية في المدينة حاليًا كافيًا لبناء مستشفى كامل هناك. وإذا ما تم بناؤه، فسيتوقف عن العمل في أوقات كثيرة حتى يزداد التعداد السكاني ليتناسب مع وجوده، وعليه يبقى بناء المستشفى مشروعًا مستقبليًا.

بناء بنية تحتية اجتماعية

يشكل إيجاد مساحات يرغب الناس فيها بالعيش والتفاعل مع الحفاظ على مستوى التكاليف منخفضة في المدينة تحديًا هامًا عند التخطيط لإنشاء مدينة، وخصوصًا في المملكة العربية السعودية التي تعاني من نقص في المساكن منخفضة التكلفة. فهناك فرق بين بناء مدينة ناجحة وبين بنائها بغرض استقطاب الراغبين بالعيش فيها.

وفي نهاية المطاف فإن السكان سيضيفون بأنفسهم طابعًا مفعمًا بالحيوية حالما يبدؤون بتشكيل خصائص وسمات للمكان الذي يعيشون فيه؛ وذلك من خلال افتتاح المحال التجارية وتأسيس الأحياء الثقافية والبدء ببرامج يقودها المجتمع المحلي. وقد تم بناء التجمعات السكنية في مدينة الملك عبدالله الاقتصادية لتشجيع التفاعل بين الناس، باستغلالها المساحات الخضراء والمراكز المجتمعية والمسارات المخصصة للدراجات وإتاحة المرافق الترفيهية في المدينة.

تحتاج البنية التحتية الاجتماعية أيضًا لأن تتكيف مع التقنيات الجديدة والمستقبلية، لذا تعمل مدينة الملك عبدالله الاقتصادية على تحديث خطتها الهيكلية باستمرار لتتأقلم مع حقيقة أن التقنيات التي كانت باهظة التكاليف قبل عقد من الزمن أصبح يمكن تركيبها اليوم بتكلفة منخفضة. وقد جرى تطوير الخطة الرئيسية الأصلية لتتضمن استخدام الألياف الضوئية المتطورة وشبكات الخدمات الذكية ومجموعة واسعة من أجهزة الاستشعار لإدارة عمليات المدينة.

ومن ناحية أخرى، تغير التقنيات الحديثة العلاقة التي تربط الناس بمدنهم والجهات المشرفة على تنظيمها وإدارتها بشكل كبير، إذ يمكن لمواطني مدينة الملك عبدالله الاقتصادية إبلاغ إدارة المدينة عن المشكلات البلدية عبر تطبيق خاص، ما يتيح اتخاذ الإجراءات بخصوص هذه المعلومات بسرعة وتقليل الزمن والتكلفة اللازمين لتقديم خدمات الرعاية المجتمعية الضرورية.

وترصد غرفة مركزية لمراقبة الأحداث المشكلات الأكثر خطورة مثل حوادث السير والجرائم الصغيرة، وتنسق خدمات الطوارئ والأمن عبر نظام فوري لمعلومات المدينة.

كما ستشكل التقنيات الحديثة عاملًا رئيسيًا في تخطيط المدن في المستقبل البعيد، إذ يمكن لاعتماد مركبات القيادة الذاتية على سبيل المثال أن يؤثر بشكلٍ كبير على التصميم العمراني. فماذا سيعني أن تكون قادرًا على تقليل عدد السيارات بشكل كبير على الطرقات؟ وماذا يعني استخدام مركبات القيادة الذاتية بالنسبة للمناطق السكنية؟ بالنسبة للركاب والسائقين؟ والحدائق ومناطق المشاة؟

هذه أمثلة على أسئلة عديدة تعمل مدينة الملك عبدالله الاقتصادية على الإجابة عليها اليوم. وصحيح أن مرحلة الاستخدام الواسع لمركبات القيادة الذاتية لا تزال على بعد عقد أو أكثر من الزمن، إلا أن تخطيط مدينة جديدة يتطلب التفكير بذلك بشكل مسبق.


تشكل مدينة تل العمارنة درسًا عمليًا عن خطورة بناء مدن لا تتجاوز كونها نزوة سياسية فحسب، فكل مدينة تحتاج لمبرر وراء تشييدها، ولا يكفي بناء بنية تحتية؛ فالمدن يجب أن تكون قادرة على المنافسة اقتصاديًا وأن تستقطب كافة الشرائح من المواطنين. والمدن التي تفشل في هذه النواحي، كمدينة تل العمارنة، ستختفي في غياهب التاريخ. وبتركيزها على إيجاد دورة اقتصادية مستدامة والحفاظ عليها، تقوم مدينة الملك عبدالله الاقتصادية بتطبيق دروس التاريخ والاستفادة منها لبناء مستقبلها.

نبذة عن الكتّاب

فهد الرشيد هو العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لإعمار مدينة الملك عبدالله الاقتصادية.