leadership-behavior_1536x1536_Standard

القيادة والسلوك: إتقان آليات المنطق والعاطفة

القيادة والسلوك: إتقان آليات المنطق والعاطفة

يعرض مختص حائز على جائزة نوبل وريادي في مجال الاقتصاد السلوكي رؤىً وأفكارًا متوافقةً مع المنطق السليم وأخرى متناقضةً معه حول الأداء والتعاون والابتكار.

فتح التقاء الاقتصاد وعلم النفس ونظرية الألعاب وعلم الأعصاب معًا آفاقًا جديدةً؛ ليس فقط حول طريقة تفكير الأفراد وتصرفهم، وإنما أيضًا حول الطريقة التي تمارس بها المؤسسات أعمالها. فقد أثبتت الرؤى الأكاديمية والخبرة العملية على مدى العقدين الماضيين أنه عندما توجّه الشركات قدراتها التنافسية والتعاونية وتحتضن التنوع وتعترف باحتياجات موظفيها وتُراعي مشاعرهم، فإنها بذلك يمكنها أن تحقق مكاسب في الأداء 1

يعتبر إيريك ماسكين، الريادي الحائز على جائزة نوبل والأستاذ في جامعة هارفارد، العمل حول نظرية تصميم الآلية إحدى التطبيقات المتميزة في هذا السياق. فالجمع بين نظرية الالعاب والاقتصاد السلوكي وهندسة الأفكار يساعد قادة المؤسسات على اختيار النتيجة المرجوة ومن ثم تصميم قواعد تشبه قواعد اللعبة ما يمكنها من تحقيق النتيجة من خلال مراعاة مدى اختلاف الطريقة التي يتصرف فيها الأفراد الأذكياء المستقلين بعملهم. أما العمل الذي قدمه إيال وينتر، الأستاذ في الجامعة العبرية، فيتحدى ويطور فهمنا للمعنى الحقيقي لـ”الذكاء“. ففي كتابه الذي صدر مؤخرًا بعنوان الشعور بالذكاء: لماذا تعتبر عواطفنا أكثر عقلانيةً مما نعتقد (الشؤون العامة، 2014)، يُبين وينتر بأنه على الرغم من الاعتقاد بأن العواطف تتناقض مع العقلانية، إلا أنها تعتبر فعليًا عاملًا أساسيًا في اتخاذ قرار عقلاني.

في هذا النقاش الذي تُديره جوليا سبيرلنغ، الشريك في ماكنزي والطبيبة والمتخصصة في علم معالجة الأعصاب عن طريق التدريب، وديفيد شوارتز من ماكنزي للنشر، يستعرض ماسكين ووينتر بعض الآثار المترتبة على عملهما على جميع القادة من مختلف الشرائح.2

المجلة الربعية: هل يجب على الرؤساء التنفيذيين الشعور بالندم عند اتباع غريزتهم أو الاستماع إلى حدسهم؟

إيال وينتر: يجب على الرئيس التنفيذي أن يدرك بأننا عندما نتخذ قرارًا هامًا، فإننا نتصرف بناءً على العقلانية والعاطفة في نفس الوقت. وعندما نتأثر بالتعاطف مع مشاعر الآخرين مثلًا، فإننا نكون أكثر قدرةً على إدراك الأشياء التي لا تكون ظاهرةً لنا لو حاولنا استخدام العقلانية البحتة. كما أن فهم دوافع ومشاعر الأطراف الأخرى يعتبر مهمًا طبعًا للانخراط في المواقف الاستراتيجية والتفاعلية بشكل فعّال.

إيريك ماسكين: أتفق تمامًا مع إيال، لكنني أود أن أوضح ما يلي: يُمكن لمشاعرنا أن تكون أداة توجيهية قوية لاتخاذ القرار، بل إنها في الواقع تطورت لهذا الغرض، لكن الموقف الذي نجد أنفسنا فيه لا يتطابق دائمًا مع الموقف الذي تطورت عواطفنا من أجله. وقد يكون لدينا مثلًا رد فعل عاطفي سلبي تجاه مقابلة الأشخاص الذين يبدون مختلفين جدًا عنا، ظاهريًا على الأقل، فيما يعرف بـ”الخوف من الآخر“. لقد تطورت هذه العاطفة لما هو مفيد؛ ففي المجتمعات القبلية، كانت القبائل الأخرى تشكل تهديدًا، لكن هذا النوع من العاطفة يمكن أن يُعيق سبل التفاعل في عصرنا الحالي، ويخلق شعورًا بالعدائية في الوقت الذي لا ينبغي فيه أن تكون هناك عدائية أساسًا.

المجلة الربعية: وذلك مهم حقًا بالنسبة للتنوع.

إيال وينتر: أحد الجوانب الهامة لهذا التفاعل هو أن العقلانية تتيح لنا تحليل عواطفنا وتفسر لنا سبب شعورنا بطريقةٍ معينة، كما أنها تتيح لنا النظر بعين ناقدة عند الحكم على مشاعرنا الخاصة.

يملك الأفراد تصورًا معينًا حول عملية اتخاذ القرار، كما لو كان لدينا صندوقين في عقلنا، إذ يقول أحدهما للآخر بأن ذلك أمر غير عقلاني، ويستمران بالجدال، وعندما يتغلب رأي أحدهما على الآخر، فإننا نتخذ القرار بناءً على الطرف الذي ساد رأيه، أو أننا نغلق أحد الصندوقين ونتخذ القرارات بناءً على رأي الصندوق الآخر فحسب. إلا أنه تصور خاطئ تمامًا لشرح طريقة اتخاذ الأشخاص للقرارات. فلا يكاد يكون هناك قرار نتخذه لا ينطوي على مشاركة الجانبين معًا، بل إن هناك الكثير من المداولات التي تجري بين العقلانية والعاطفة. ونحن نعلم بأن أنواع القرارات التي تستدعي ربما أكبر قدر من التعاون بين العقلانية والعاطفة هي قرارات إما أخلاقية أو ذات اعتبارات أدبية. وكأخصائية في علم الأعصاب، فإنك تعلمين بأن من أحد أهم الأدلة العلمية على ذلك هو القدرة الكبيرة على التفاعل والذي يتم في الجزء من الدماغ المعروف بقشرة الفص الجبهي، فعندما نواجه الأشخاص حول المسائل الأخلاقية، يقوم هذا الجزء من الدماغ، أي قشرة الفص الجبهي، بالجزء الأكبر من العمل.

المجلة الربعية: نعم، يمكننا أيضًا تتبع ذلك من خلال تقنيات التصوير. في الواقع أن علماء الأعصاب يعترضون دائمًا عندما يحاول الناس استغلال الرؤى المستقاة من مجال علمهم وتطبيقها على الأعمال، والخروج بفكرة الأشخاص من ذوي (الجانب الأيسر) أو (الجانب الأيمن) من العقل، وهي فكرة مشابهة تمامًا لفكرة الصناديق التي ذكرتها.

في ضوء تعليقاتك السابقة، هل تعتقد أن بإمكاننا التوقف والنظر إلى أنفسنا فندرك بأننا نتصرف بطريقة عاطفية وبأن هذا السلوك قد يكون مناسبًا أو غير مناسب في الموقف الذي نكون عاطفيين فيه؟

إيال وينتر: أعتقد أن بإمكاننا ذلك، لا بل نقوم به فعليًا إلى حدٍ ما. بعض الأشخاص يقومون بذلك بطريقة أفضل من غيرهم وبعضهم يواجه صعوبةً في ذلك، لكن تخيل ماذا يمكن أن يحدث إن لم يكن باستطاعتنا القيام بذلك؟ من المحتمل ألا نكون قد تمكنا من التطوّر. أعتقد بأن حقيقة وجودنا، أنا وأنت، تثبت بأننا نملك بعض القدرة على التحكم بعواطفنا.

إيريك ماسكين: من الاتجاهات التجريبية المثيرة للاهتمام التي رصدناها عبر القرون هي انخفاض العنف أو على الأقل العنف على مستوى الأفراد. فقد قلّت خطورة العالم عمّا كان عليه قبل مائة عام من الآن، ويتضح الاختلاف بشكل أكبر كلما عدنا إلى الوراء في فترات أطول من الزمن. ويعزى ذلك بشكل رئيسي إلى قدرتنا على التطور على مر الزمن في إدراك ميولنا العدائية أولًا، ولكن الأهم من ذلك بناء الآليات التي تحمينا من تلك الميول.

المجلة الربعية: هل يمكنك التحدث أكثر عن تصميم الآلية- ما مدى أهمية أن تساعد الأنظمة الفرد أو الجماعات على التصرف بأساليب مرغوب بها؟

إيريك ماسكين: تم تصميم الآلية بطريقة تُدرك حقيقة أن هناك توتر بين ما هو جيد بالنسبة للفرد، أي أهداف الفرد، وما هو جيد بالنسبة للمجتمع- اي أهداف المجتمع. فالهدف من تصميمها هو تعديل أو إنشاء مؤسسات تساعد على المواءمة ما بين هذه الأهداف المتضاربة، حتى في حال غياب المعلومات الهامة حيال الموقف.

ومن الأمثلة التي أحب أن أستخدمها في هذا السياق هو مشكلة تقطيع الكعكة التي نود تقسيمها بين طفلين هما بوب وأليس.

هدف كل من بوب وأليس هو الحصول على أكبر قطعة ممكنة من الكعكة. لكنك، بصفتك الوالد، أي (المجتمع)، يهمك أن تكون حصصهما متساويةً، وأن يعتقد بوب أن قطعته متساوية في الحجم مع قطعة أليس، وأن تعتقد أليس أن قطعتها متساوية في الحجم مع قطعة بوب. فهل هناك أسلوب أو إجراء يمكننا استخدامه لنحصل على قسمة متساوية، حتى عندما لا يكون لدينا أي معلومات حول طريقة نظر الطفلان إلى الكعكة؟

لقد اتضح بأن هناك آلية بسيطة للغاية ومعروفة لحل هذه المشكلة اسمها إجراء ”القسمة والاختيار“، تدع فيها أحد الطفلين، فلنقل بوب مثلًا، يقوم بالتقطيع ومن ثم تطلب من الطفل الآخر، أليس، اختيار القطعة التي تريدها لنفسها.

والسبب في نجاح هذه الطريقة هي أنها تستغل هدف بوب للحصول على أكبر قطعة ممكنة من الكعكة. فعندما يقوم بتقطيع الكعكة، فإنه سوف يتأكد، من وجهة نظره، أن تكون كلتا القطعتين متساويتين تمامًا لأنه يعرف بأنه إذا لم تكونا كذلك، فإن أليس سوف تأخذ الحصة الأكبر. وهذه الآلية هي مثال على كيفية التوفيق بين هدفين يظهران متعارضين حتى إذا لم تكن لديك أية فكرة حول ما يعتقده المشاركون أنفسهم بأنها قطع متساوية.

المجلة الربعية: كيف طبق القادة أو المؤسسات نظرية الآلية هذه؟

إيريك ماكسين: إنها مطبقة في العديد من المجالات، بما في ذلك داخل الشركات. فإذا كنت رئيسًا تنفيذيًا وترغب بتحفيز دافعية موظفيك على العمل بجد للشركة، لكن تنقصك بعض المعلومات الهامة، لا يمكنك مراقبة ما يقوم به الموظفون مباشرة على وجه الخصوص، إنما يمكنك مراقبة نتائج عملهم- على صعيد البيع أو الإيرادات- ولكن النتائج قد لا تتطابق تمامًا مع المدخلات - أي جهودهم - نظرًا لوجود عوامل أخرى إلى جانب جهود الموظفين. وبالتالي، فإن المشكلة التي يواجهها الرئيس التنفيذي هي كيف تكافئ موظفيك على الأداء في الوقت الذي لا يمكنك مراقبة جهودهم بشكلٍ مباشر؟

إيال وينتر: فيما يلي مثال على ذلك: كانت شركة «كونتيننتال ايرلاينز» (الخطوط الجوية المتحدة) على وشك الإفلاس في منتصف التسعينيات، والسبب الرئيسي وراء ذلك هو عدم التزامها في الوقت المحدد لمواعيد الرحلات، ما جعل المسافرين لا يرغبون بالسفر مع الشركة. ففكرت الشركة في تقديم الحوافز للأفراد، وبشكل رئيسي تحفيز الأداء فيما يتعلق بالالتزام بالوقت المحدد. يعرف هذا النوع من التكنولوجيا بـ”الربط الضعيف“. فإذا توانى أحد الموظفين عن أداء عمله، فإن العملية بأكملها تتوقف لأنها عبارة عن عملية متتالية يعتمد فيها كل موظف على الآخر.

اقترحت الشركة خطة «المضي قدمًا»، والتي عرضت مكافأة مقدارها 65 دولارًا لكل موظف في الشركة في كل شهر تحتل الشركة فيه أول خمسة مراكز من حيث تصنيف أدائها حول التزام بالوقت المحدد للرحلات. حافز بقيمة 65 دولارًا فقط لكل الموظفين بدءًا من عمال التنظيف ووصولًا إلى الرئيس التنفيذي. بدا ذلك سخيفًا، نظرًا لأن مبلغ 65 دولارًا في الشهر لا يبدو مبلغًا كافيًا لتحفيز الأفراد على العمل بجد، لكن في الواقع نجحت هذه الخطة تمامًا.

كان السبب الرئيسي الذي أدركته شركة كونتيننتال هو أن هناك جانب من جوانب الحوافز لا يتعلق بالضرورة بالمال، وفي هذه الحالة، فإن الإهمال لا يعني عدم حصولك على هذه المكافأة فحسب، بل أيضًا يعني أنك ستكون في موقف تشعر فيه بأنك تلحق الضرر بآلاف الموظفين الذين لم يحصلوا على المكافأة بسبب تقاعسك من حيث الأداء في ذلك الشهر. وقد رأت الشركة بأن الحوافز يمكن أن تكون اجتماعيةً وعاطفيةً وأخلاقيةً أيضًا، وهذا ما جعل تصميم الآلية ينجح نجاحًا تامًا.

إيريك ماكسين: ومن الأساليب ذات الصلة بهذه الآلية هو أن تجعل الموظفين مساهمين في الشركة. فقد تعتقد أن تأثير الموظف الفرد على سعر السهم لن يكون حجمه كبيرًا في شركة كبيرة، لكن كما قال إيال، فإن هناك أثر عاطفي أيضًا. فهوية الموظف مرتبطة بتلك الشركة بطريقة لن تكون فيها كذلك إذا كان الموظف يحصل على راتب محدد فقط. وتظهر الدراسات التجريبية التي أعدها الخبير الاقتصادي في مجال العمل، ريتشارد فريمان وآخرون، بأنه حتى الشركات الكبيرة التي تستفيد من ملكية الموظفين تحقق إنتاجيةً أعلى.

المجلة الربعية: ما هي النصيحة التي توجهها إلى القادة لتسهيل التعاون بين المجموعات، خاصةً في المؤسسات التي يشعر فيها الأفراد بالملكية الفردية القوية؟

إيال وينتر: أكرّر أن الأمر يتعلق بالحوافز بشكل رئيسي. إذ يجب على المرء أن يخلق التوازن الصحيح بين المصلحة المشتركة والمصلحة الفردية. فيمكن للشركات، على سبيل المثال، المبالغة في التأكيد على أهمية دور المكافآت الفردية، ويمكن للمكافآت أن تؤدي إلى نتائج عكسية على الإنتاج إذا نتج عنها منافسة شديدة بطريقة غير إيجابية للمؤسسة.

هناك أبحاث مثيرة للاهتمام حول سلوك عمل الفريق، ونعلم بأن المكافآت المقدمة لعدة موظفين أو برامج المكافآت التي تجمع بعض نقاط الفرد مع بعض النقاط الجماعية، أو التي تعتمد على سلوك المجموعة ككل، غالبًا ما تعمل بشكل فعال أكثر من المكافآت الفردية وحدها. ويجب على الرؤساء التنفيذين والمدراء التفكير مليًا في التوازن بين التنافس والتعاون عن طريق اختيار الآلية الصحيحة للعمل.

المجلة الربعية: هل يمكن استخدام الآليات التي تشجع التعاون من أجل تحفيز الابتكار أيضًا؟

إيريك ماكسين: يعتبر التعاون أداةً مهمةً لتسريع وتيرة الابتكار، وذلك لأن الابتكار يتعلق بالأفكار بشكل أساسي، فإن كان لدينا أنا وأنت فكرةً ما وتعاونا سويًا على تحقيقها، سنتمكن من تطوير فكرة أفضل وتجاهل الفكرة الأسوأ، لكن إذا كنت تعمل وحدك، فإن الفكرة السيئة لن يتم تجاهلها، وهذا سيؤدي بدوره إلى تراجع عجلة الابتكار.

يُظهر التعاون في البحث العلمي كذلك اتجاهًا مثيرًا للاهتمام، فإذا نظرت إلى قائمة الأبحاث المنشورة في المجلات الاقتصادية قبل ثلاثين عامًا، تجد بأن معظمها كانت من تأليف شخص واحد، أما الآن، فإن الغالبية العظمى منها- التي قد تصل نسبتها إلى 80% أو أكثر، يشترك في تأليفها عدة أشخاص. وهناك سبب وجيه للغاية وراء ذلك الاتجاه، إذ أن المحصلة الإجمالية تزيد على مجموع الأجزاء في البحوث الجماعية نظرًا للاعتماد المطلق على أفضل الأفكار فقط.

إيال وينتر: هناك جانب آخر في بيئة العمل يفضي إلى الابتكار، وهو أن تكون المؤسسة مستعدةً لتحمل المخاطر التي يقبل عليها الموظفون. فإذا قدمت فكرةً مبتكرةً، وليس فكرةً عاديةً، فإن ذلك ينطوي على خطر كبير يتمثل في ألّا تحقق تلك الفكرة أي نتيجة في نهاية المطاف. وإذا كان الأفراد يعملون في بيئة ليست منفتحةً على تقبل المخاطر، أو في بيئة تُحتم عليهم النضال من أجل البقاء في المؤسسة، فإنهم سيكونون أقل ميلًا لخوض المخاطر التي ستؤدي إلى الابتكار.

المجلة الربعية: ماذا عن الابتكار في عالم مليء بالبيانات والتحليلات المتقدمة المتاحة؟ هل هناك إمكانات غير مستغلة في هذا المجال بالنسبة للاقتصاد السلوكي؟

إيريك ماكسين: تعتبر التجارب الميدانية العشوائية من الاتجاهات المثيرة للاهتمام، فقد أُجريت معظم التجارب في الاقتصاد السلوكي لغاية الآن في المختبرات، أي أنك تضع الأفراد في بيئة اصطناعية، ألا وهي المختبر، وترى كيف يتصرفون، لكن عندما تقوم بذلك، فإن القلق يساورك دائمًا ما إذا كانت أفكارك وتصوراتك تنطبق على العالم الحقيقي.

وهنا يأتي دور التجارب الميدانية العشوائية، إذ يمكنك متابعة الأفراد في حياتهم الواقعية بدلًا من وضعهم في مختبر، ما يمنحك سيطرةً أقل على العوامل التي تؤثر على السلوك مقارنةً مع السيطرة التي تملكها في المختبر. وهنا تعود البيانات الضخمة عليك بالفائدة. إذا كانت لديك مجموعات كبيرة وكافية من البيانات - أي ملايين بل مليارات المعلومات- فإنك لن تقلق من قلة السيطرة، فمجموعات البيانات الضخمة تساعدنا على تعويض عن الفوضى الناجمة عن السلوك في الحياة الواقعية.

المجلة الربعية: إن تحليلات البيانات الضخمة تطرق حاليًا أبواب الذكاء الاصطناعي، لكن هل يمكن برمجة الحاسوب للتفكير بعقلانية وبشكل أخلاقي مثلما يفعل الأشخاص وكيف يمكن لذلك أن ينجح؟

إيال وينتر: أعتقد بأنه سيكون هناك تقدم كبير في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنني أستبعد أنه سيحل محل التفاعل بين البشر بشكل كلي أو كامل، فلن يستغني الناس عن ضرورة الالتقاء ومناقشة الشؤون المختلفة، حتى لو كان ذلك مع الأجهزة.

يريك ماكسين: البشر كائنات أخلاقية بالفطرة، ولا يمكنني تصور أن تحل الآلة محل تلك الغرائز بشكل كامل، وأجهزة الكمبيوتر تعتبر عناصر تكميلية قوية للتفكير الأخلاقي ولكنها ليست بديلةً عنه.

نبذة عن الكتّاب

إيرك ماسكين حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد وأستاذ جامعة آدمز في جامعة هارفارد. إيال وينتر هو أستاذ سيلفرزويج في الاقتصاد في الجامعة العبرية في القدس، ومؤلف كتاب ”الشعور بالذكاء: لماذا تعد عواطفنا أكثر عقلانيةً مما نعتقد“ (الشؤون العامة، 2014). أجرى هذه المقابلة كل من جوليا سبيرلنغ، الشريك في مكتب ماكينزي دبي، وديفيد شوارتز، العضو في ماكينزي للنشر الذي يتخذ من مكتب ستامفورد مقرًا له.